أثار الانتشار الواسع للهواتف المحمولة على مدار العقدين الماضيين تساؤلات مستمرة حول تأثير الموجات الكهرومغناطيسية على صحة الإنسان، لا سيما مع قرب هذه الأجهزة الدائم من أنسجة الدماغ. ومع تصاعد القلق الشعبي، جاءت مراجعة علمية حديثة بتكليف من منظمة الصحة العالمية لتقدم إجابات حاسمة حول هذا الملف الشائك.
جذور القلق: خلط بين أنواع الإشعاع
يعود القلق المرتبط بالتقنيات اللاسلكية إلى منتصف القرن الماضي، حين بدأ الناس في الربط بين الأجهزة المنزلية كأفران الميكروويف وبين الإشعاعات عالية الطاقة كالأشعة السينية. هذا الخلط المعرفي رسخ فكرة خطر الإشعاع في الوعي العام، رغم أن الموجات الكهرومغناطيسية الصادرة عن الهواتف هي موجات منخفضة الطاقة لا تملك القدرة الفيزيائية على كسر الروابط الجينية أو إحداث ضرر خلوي مباشر.
نتائج مراجعة منظمة الصحة العالمية
في عام 2019، كلفت منظمة الصحة العالمية 13 فريقاً بحثياً مستقلاً لإجراء مراجعات شاملة حول الآثار الصحية للموجات الكهرومغناطيسية. وقد أظهرت نتائج مراجعة حديثة شملت 63 بحثاً علمياً نُشرت بين عامي 1994 و2022، حقائق مطمئنة:
- لا ارتباط بالسرطان: لم يجد الباحثون أي صلة بين استخدام الهاتف المحمول والإصابة بسرطان الدماغ أو سرطانات الرأس والرقبة.
- ثبات النتائج: انعدام الارتباط ظل ثابتاً بغض النظر عن كثافة الاستخدام أو مدته، حتى لدى المستخدمين لفترات طويلة تتجاوز عشر سنوات.
- صحة الأطفال: أثبتت الدراسات عدم وجود أي دليل على صلة بين الموجات الكهرومغناطيسية ومرض ابيضاض الدم (اللوكيميا) لدى الأطفال.
المنطق الإحصائي كدليل قاطع
يشير الباحثون إلى حجة إحصائية قوية تدعم هذه النتائج؛ فلو كانت الهواتف المحمولة مسبباً فعلياً للسرطان، لكان من المفترض ملاحظة ارتفاع حاد في معدلات الإصابة بسرطان الدماغ بالتوازي مع الطفرة في استخدام الهواتف. إلا أن السجلات الصحية، كما هو الحال في أستراليا، تظهر استقراراً تاماً في معدلات الإصابة منذ الثمانينيات، وهو ما قبل انتشار الهواتف على نطاق واسع.
ويختتم العلماء تقريرهم بالتأكيد على أنه رغم استحالة إثبات الغياب المطلق لأي خطر بموجب المنهج العلمي الصارم، إلا أنه لم يتم العثور على أي دليل علمي يربط بين استخدام الهاتف المحمول وأي نوع من سرطانات الدماغ أو الرأس أو الرقبة، مما يضع حداً لسنوات من الهواجس غير المستندة إلى حقائق.


