في خطوة تعد الأكبر من نوعها في مجال الطب النفسي الوراثي، توصلت دراسة دولية موسعة إلى تحديد عوامل خطر جينية جديدة ترتبط باضطراب الشخصية الحدية، مما يفتح آفاقاً غير مسبوقة لفهم الأسس البيولوجية لهذا المرض المعقد.
نتائج غير مسبوقة
اعتمدت الدراسة، التي شملت بيانات وراثية لنحو 13 ألف شخص مصاب بالاضطراب وأكثر من 1.1 مليون شخص سليم من 14 دولة، على تحليل ملايين المتغيرات الجينية المعروفة باسم (SNPs). ونجح الباحثون في تحديد 11 منطقة جينية مستقلة مرتبطة بزيادة احتمالية الإصابة، بالإضافة إلى تسعة جينات مرشحة قد تلعب دوراً محورياً في تطور المرض.
وأشارت النتائج إلى أن نسبة القابلية للإصابة المرتبطة بالعوامل الجينية المدروسة تقدر بنحو 17.3%، مما يؤكد أن الاضطراب ليس نتاج عامل واحد، بل هو نتيجة تداخلات جينية متعددة.
تداخلات مرضية معقدة
كشفت التحليلات عن وجود شبكة ارتباطات جينية بين اضطراب الشخصية الحدية واضطرابات نفسية وأمراض جسدية أخرى، مما يعزز الفهم العلمي للطبيعة المتداخلة للأمراض. ومن أبرز الاضطرابات التي تشترك في عوامل وراثية مع الشخصية الحدية:
- اضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب.
- اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط (ADHD).
- السلوك المعادي للمجتمع.
- السلوك الانتحاري وإيذاء الذات.
كما رصدت الدراسة تداخلاً جينياً لافتاً مع حالات صحية جسدية مثل مرض الانسداد الرئوي المزمن وداء السكري، مما يشير إلى وجود جذور بيولوجية مشتركة تتجاوز حدود الصحة النفسية التقليدية.
نحو مستقبل علاجي أدق
أكد الدكتور فابيان ستريت، المعد الرئيسي للدراسة، أن هذه النتائج تقدم لأول مرة دليلاً جينياً ملموساً يربط اضطراب الشخصية الحدية بمجموعة واسعة من الأمراض، وهو ما سيساعد مستقبلاً في تصميم خطط علاجية أكثر استهدافاً وتخصيصاً للمرضى.
من جانبها، أوضحت الدكتورة ستيفاني ويت، من مركز الصحة العقلية والطب النفسي (CIMH)، أن هذا الاكتشاف يمثل حجر الزاوية في فهم البنية الوراثية للاضطراب، مشددة في الوقت ذاته على ضرورة إجراء دراسات مستقبلية أوسع تشمل تنوعاً سكانياً أكبر، مع دمج البيانات الجينية بالعوامل البيئية والتجارب الحياتية الصادمة.
ويأمل المجتمع العلمي أن يساهم إتاحة هذه البيانات الجينية في تسريع وتيرة تطوير أدوية مخصصة لعلاج الاضطراب، الذي يصيب ما بين 0.9% و1.9% من السكان، ويتميز بتحديات كبيرة تشمل عدم استقرار المشاعر والسلوك الاندفاعي وصعوبة العلاقات الشخصية.


