منذ اندلاع المواجهة في 28 فبراير، صُورت الصراعات بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، كمعركة وجودية. ومع ذلك، يكشف التحليل الهيكلي لأشهر القتال الخمسة الماضية عن مفارقة صارخة: الطرف الذي أشعل فتيل هذه الحرب بات الأقل تضرراً من نيرانها، بل الأكثر حصداً لمكاسبها الاستراتيجية والاقتصادية.
تفكيك عقيدة الدفاع الأمامي لإيران
تشهد العقيدة الأمنية التي بنتها إيران على مدى أربعة عقود تآكلاً غير مسبوق. هذه العقيدة التي قامت على نقل المواجهة خارج الحدود عبر شبكة من الوكلاء -من حزب الله في لبنان إلى الحوثيين في اليمن وفصائل مسلحة في العراق- تلقت أقسى ضرباتها التاريخية.
لقد أدى التدخل المباشر لبعض هذه الأطراف إلى استنزافها عسكرياً، بينما نجحت الضغوط الأمريكية في تقييد حركة حزب الله عسكرياً في لبنان، وفرض تغييرات سياسية في العراق شملت إزاحة شخصيات موالية لطهران. أما الحوثيون، فقد وجدوا أنفسهم مضطرين للتركيز على صراعات إقليمية بعيداً عن المواجهة المباشرة مع إسرائيل أو واشنطن، مما ترك إيران في مواجهة تداعيات الحرب وحيدةً على نحو متزايد.
حرب بلا جبهة داخلية
في حين تعرضت دول الخليج لهجمات إيرانية استهدفت البنية التحتية للطاقة والاقتصاد، نجحت إسرائيل في تحييد جبهتها الداخلية بفضل منظومات الدفاع الجوي والدعم الأمريكي. وبدلاً من استهداف العمق الإسرائيلي، اختارت طهران الضغط على واشنطن عبر حلفائها الإقليميين لتجنب توسيع نطاق الحرب، مما أدى إلى انتقال تكلفة الردع الإيراني إلى المدنيين في دول الجوار، بينما تواصل إسرائيل الاستفادة الاستراتيجية من تدهور القدرات العسكرية الإيرانية دون دفع ضريبة مقابلة على أراضيها.
اقتصاد الحرب: نمو قياسي وأرباح متصاعدة
بعيداً عن الخسائر العسكرية، يظهر الاقتصاد الإسرائيلي مرونة مثيرة للدهشة؛ إذ يتوقع بنك إسرائيل نمواً اقتصادياً بنسبة 4% خلال عام 2026، مع توقعات بارتفاع النسبة إلى 5.5% في 2027. وقد انعكس هذا الأداء على الأسواق المالية:
- ارتفاع قيمة الشيكل بنحو 20% مقابل الدولار خلال العام الماضي.
- تحقيق مؤشر تل أبيب-35 أرقاماً قياسية جديدة.
- استمرار تدفق الاستثمارات العالمية، مثل استحواذ جوجل على شركة Wiz للأمن السيبراني بصفقة بلغت 32 مليار دولار.
وعلى صعيد قطاع الدفاع، سجلت الصادرات العسكرية الإسرائيلية 19.2 مليار دولار في عام 2025، بزيادة قدرها 30%، حيث تعمل ساحات المعارك الحالية كمنصة عرض حية لفاعلية أنظمة الدفاع الصاروخي الإسرائيلية أمام العملاء الدوليين. وفي قطاع الطاقة، تواصل حقول الغاز ليفياثان وتامار الإنتاج بكفاءة، مع تصدير الفوائض للأسواق العالمية بأسعار مرتفعة.
خلاصة المفارقة
لا يعني هذا أن إسرائيل تخوض حرباً مجانية؛ فالتكاليف الدفاعية وأعباء التعبئة قائمة، لكن الاستراتيجية تُقاس بالعلاقة بين التكلفة والعائد. لقد نجحت إسرائيل في تحويل البيئة الاستراتيجية الإقليمية لصالحها، عبر تسريع الضغط على شبكة وكلاء إيران وتوزيع أعباء الحرب على أطراف أخرى. يبقى السؤال حول ما إذا كان هذا التفاوت في توزيع التكاليف سيتحول إلى ركيزة لنظام إقليمي جديد، وهو الملف الذي يتصدر أجندة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في زيارته المرتقبة لواشنطن.


