صراع الهوية والمعمار: مآذن الشرق في مواجهة أبراج الغرب
تتجاوز قضية بناء المساجد والمآذن في أوروبا حدود العبادة لتصل إلى عمق الهوية الوطنية، حيث ينظر إليها الكثير من السياسيين والمفكرين الغربيين كتهديد وجودي للطابع الثقافي والتاريخي للقارة العجوز. هذا القلق لا ينبع من دافع ديني لاهوتي بقدر ما هو خوف من انحسار الهوية المسيحية التي باتت تُعرف كـثقافة وتراث أكثر من كونها عقيدة.
تتجلى هذه الحساسية في تصريحات سياسية بارزة، أبرزها ما قالته المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل في ديسمبر/كانون الأول 2007 أمام حزبها الديمقراطي المسيحي، حيث أكدت صراحةً أن ألمانيا لن تسمح بأن تعلو مآذن المساجد أبراج الكنائس، مشددة على أن هوية ألمانيا هي هوية مسيحية- يهودية.
الأوروبيون- كما تقول دراسات استقصائية رصينة- لا تعنيهم المسيحية كدين، وإنما تعنيهم هوية بلدانهم المسيحية وحسب، ولن يقبلوا بأي ثقافة أو هوية أخرى تخصم من حضورها التاريخي في الضمير الوطني العام.
المسيحية كرمز للهوية لا كعقيدة
تشير الدراسات الاستقصائية إلى مفارقة لافتة؛ فبينما تعاني الدول الأوروبية من مستويات عالية من العلمنة، حيث لا يجد الكثير من المواطنين في دول مثل هولندا صلة بالدين، إلا أنهم يتمسكون بـالمسيحية كإطار رمزي للهوية الوطنية. وفي هذا السياق، يرى الباحثان كارين فاليت وفينيلا فليشمان أن الدين في أوروبا يحتفظ بدلالة رمزية كجزء لا يتجزأ من التراث الوطني، حتى وإن فقد دوره في الحياة اليومية.
هذا التحول في مفهوم الهوية دفع أحزاباً شعبوية في أوروبا إلى تبني خطاب يصور المسيحية كحامي للقيم التنويرية، مثل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، في مقابل تصوير الثقافة الإسلامية كطرف معارض لهذه القيم، مما جعل من المسجد رمزاً لتغيير الهوية المعمارية والثقافية للمدن الأوروبية.
قلق النخبة ومخاوف الأسلمة
لا يقتصر الجدل على الشارع، بل يمتد إلى أروقة الفكر؛ حيث يرى مفكرون مثل دانيال بايبس وأوريانا فالاتشي أن تمدد الحضور الإسلامي يمثل خطراً على مستقبل أوروبا. وتتراوح هذه المخاوف بين تحذيرات من أسلمة القارة، وبين سيناريوهات متطرفة تحذر من صراع هوية قد يؤدي إلى انقراض الخصوصية الحضارية الأوروبية.
إنجيلا ميركل- على سبيل المثال لا الحصر- قالت في ديسمبر/كانون الأول 2007 أمام حزبها الديمقراطي المسيحي، إن ألمانيا لن تسمح بأن تعلو مآذن المساجد أبراج الكنائس، وأن هوية ألمانيا مسيحية- يهودية.
بين لبنان وإسطنبول: المعمار كرسالة
يعكس المشهد المعماري في دول أخرى دلالات مشابهة؛ ففي لبنان، يبرز مسجد محمد الأمين وكاتدرائية سانت جورج في بيروت كنموذج للتوازن، حيث تم ضبط ارتفاع المآذن والأبراج ليتساويا، مما يعكس هوية وطنية تقوم على التوافق. وفي المقابل، تُظهر إسطنبول هوية معمارية إسلامية بامتياز، حيث تشق آلاف المآذن عنان السماء، وهو ما يراه الغربيون نموذجاً يطمحون لتجنب حدوثه في مدنهم، خشية أن تفقد أوروبا وجهها التاريخي المسيحي.
في نهاية المطاف، تظل أزمة الغرب مع الإسلام في طبعته الأوروبية أزمة ثقافية بامتياز، تتعلق بالخوف من فقدان التمايز الحضاري، وهو ما يجعل من كل مئذنة جديدة في أوروبا ملفاً يتجاوز العمارة ليمس صميم الأمن القومي والهوية الوطنية.


