يدعو الباحث والمؤرخ العسال إلى ضرورة تبني منهجية علمية صارمة في قراءة الروايات التاريخية، محذراً من الخلط بين منهج المحامي الذي يبحث عن تبرير للأحداث، ومنهج القاضي الذي يزن الروايات بميزان الدقة والتمحيص. ويؤكد العسال أن التاريخ الإسلامي يمتلك أداة منهجية فريدة متمثلة في علم الجرح والتعديل، الذي يعد صمام أمان لتمحيص الروايات ونقدها، مشدداً على أن جسد التاريخ هو النقل، وروحه هي العقل، ولا غنى للروح عن الجسد.
رحلة أكاديمية بين القاهرة وقرطبة
يستعرض العسال مسيرته العلمية التي بدأت من دراسة العلوم الطبيعية، وصولاً إلى تخصصه في الإرشاد السياحي الذي كان بوابة دخوله لعالم التاريخ. وقد توجت هذه المسيرة بحصوله على الدكتوراه من جامعة حلوان عام 2013، قبل أن ينتقل في رحلة بحثية إلى إسبانيا، حيث نال دكتوراه ثانية من جامعة قرطبة عام 2017. ويرى الباحث أن تجربته في البيئة الأكاديمية الغربية كانت محطة فارقة تعلم فيها الحياد العلمي، والفصل التام بين الهوى والهوية وبين الحقائق التاريخية المجردة.
منهج نقدي لمواجهة الحكواتي
ينتقد العسال ظاهرة تصدر غير المتخصصين للمشهد الإعلامي، معتبراً أنهم يروون التاريخ بنظام الحكواتي الذي يعتمد على الاستئناس بدلاً من المنهجية الأصولية. ويطبق العسال منهجه على نماذج تاريخية مثيرة للجدل، مؤكداً على عدة نقاط جوهرية:
- تمحيص الأسانيد: تفنيد الروايات الضعيفة تاريخياً، مثل رواية تعفن جسد النبي التي يراها باطلة سنداً.
- سياق الممارسات البشرية: التأكيد على أن اجتهادات الصحابة والتابعين في العصور الأولى كانت ممارسات بشرية مرتبطة بظروفها، ولا يجب اختزالها في قوالب دينية مقدسة أو محاكمتها بمعايير القرن العشرين.
- تعدد الدوافع: الفتوحات الإسلامية نتاج ظروف متشابكة (اقتصادية، سياسية، ودينية) ولا يمكن حصرها في دافع واحد.
القاعدة الذهبية في نقد التاريخ
يختتم العسال رؤيته بوضع قاعدة ذهبية للباحثين والمؤرخين، وهي: لا ترفض الرواية لأنها غريبة، ولا تقبلها لأنها مشهورة. ويشدد على أن الشهرة في الكتب لا تعني بالضرورة الصحة العلمية، داعياً إلى إعادة صياغة التاريخ الإسلامي وتنقيحه من الشوائب والروايات التي لا تصمد أمام المنهج العلمي الرصين.


