بين مطرقة الانهيار الصحي وسندان الطب البديل.. رحلة اليمنيين المنهكين نحو المجهول

بين مطرقة الانهيار الصحي وسندان الطب البديل.. رح

في ظل تداعي النظام الصحي اليمني الذي ترك أكثر من 20 مليون مواطن دون رعاية طبية أساسية، يجد المرضى أنفسهم مضطرين للبحث عن خيارات بديلة، غالباً ما تقودهم إلى سراديب الطب العشبي غير الخاضع للرقابة، مما يفاقم معاناتهم الصحية بدلاً من تخفيفها.

مخاطرة بالصحة تحت وطأة اليأس

تجربة جليلة عبد الحميد، سيدة في الخمسينيات من عمرها، تجسد مأساة الكثيرين. بعد رحلة طويلة من التشخيص الخاطئ الذي انتهى باكتشاف إصابتها بسرطان الكبد، وجدت جليلة نفسها عاجزة عن تحمل تكاليف السفر للعلاج في الخارج. وبدلاً من استكمال جرعات الكيماوي، استسلمت لإغراءات محلات الأعشاب التي وعدتها بالشفاء عبر خلطات من أوراق مطحونة وعسل، لتنتهي حالتها بتدهور حاد استدعى نقلها إلى المستشفى في حالة حرجة.

تقول جليلة بأسف: كان خطئي منذ البداية. كنت أعلم في قرارة نفسي أن الأعشاب لا تعالج مرضاً مثل السرطان، لكنني اتخذت الخيار الخاطئ، واليوم أعود للعلاج الكيماوي ولكن بجسد أنهكه التدهور.


تجارة الطب البديل: علم أم استغلال؟

تنتشر محلات بيع الأعشاب والعسل في مختلف المحافظات اليمنية، حيث يروج أصحابها لعلاجات تدعي القدرة على شفاء كل شيء، من الصداع البسيط إلى الأمراض المزمنة والسرطان. ويستند هؤلاء في تسويقهم إلى الموروث الديني والاجتماعي، مستغلين غياب الرقابة الرسمية.

A
خلطة من أوراق مطحونة وزيوت وعسل توصف كعلاج من قبل ممارسي الطب العشبي

من جانبه، يرى الأطباء المختصون أن هذه الممارسات تشكل خطراً جسيماً. الدكتور عادل، طبيب باطني، يحذر من أن الأعراض المرضية قد تختفي مؤقتاً بفعل عوامل طبيعية، مما يغري المرضى بالاعتقاد في نجاعة الأعشاب، بينما يظل المرض الأساسي دون علاج حقيقي.

ويؤكد المختصون أن ممارسي الطب الشعبي يفتقرون للتدريب الطبي الرسمي، ويعتمدون على طرق غير مثبتة علمياً، محذرين من أن الاعتماد على هذه البدائل يؤدي إلى تأخير التدخل الطبي الضروري، مما يجعل الحالات التي تصل للمستشفيات لاحقاً أكثر تعقيداً وصعوبة في العلاج.

غياب الرقابة وتداخل الاختصاصات

يعترف أحد ممارسي الطب العشبي في تعز، الذي يمارس المهنة دون ترخيص رسمي، بأنه لا يخضع لأي رقابة، معتبراً أن ذلك غير ضروري كونه يبيع مواد طبيعية. وفي المقابل، تشير مصادر في مكتب الصحة بتعز إلى أن هذه المراكز تقع خارج نطاق اختصاصهم، حيث تُحال الشكاوى ضدها إلى النيابة العامة التي تتدخل فقط في حالات الاحتيال أو ممارسة السحر والشعوذة.

تطالب جليلة وغيرها من ضحايا هذا الانهيار بضرورة فرض رقابة صارمة على هذه المراكز، مشددة على أن المرضى لا ينبغي أن يكونوا ضحايا مرتين؛ مرة بسبب تعذر الوصول للرعاية الطبية، ومرة أخرى بسبب الاستغلال تحت غطاء الطب البديل.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص