الاستثمار في تونس: الأرقام الرسمية تخفي تحديات التنفيذ

مفارقة الاستثمار في تونس: طفرة في الأرقام وعثرات في التنفيذ

أرقام الاستثمار التونسي بين الطموح والواقع

بينما تسجل المؤشرات الرسمية في تونس قفزات نوعية في حجم الاستثمارات المصرح بها، يظل الواقع العملي للمستثمرين محفوفاً بالتحديات. حالة محمد خليل، الذي ينتظر منذ 4 سنوات استكمال إجراءات مشروع لتربية الدواجن، تختزل فجوة كبيرة بين الطموح القانوني والواقع الإداري.

يقول خليل: تشعر وكأنك تسير في متاهة؛ فمع كل مرحلة تكتشف تعقيدات جديدة، رغم أن المشروع يستند إلى كراس شروط محددة. وتخضع مشاريع هذا القطاع لشروط صحية وبيطرية وبيئية صارمة، مما يجعل مسارها الإداري أكثر تعقيداً مقارنة بغيرها.

أرقام إيجابية في مواجهة تحدي الإنجاز

تشير بيانات الهيئة التونسية للاستثمار إلى أن حجم الاستثمارات المصرح بها خلال عام 2025 بلغ حوالي 8.36 مليارات دينار، بزيادة قدرها 39.3% مقارنة بعام 2024، مع توقعات بخلق أكثر من 101 ألف فرصة عمل. كما سجلت الاستثمارات الأجنبية نمواً بنسبة 30.3%، لتصل إلى 3.57 مليارات دينار.

البنك
البنك المركزي التونسي.. التمويل يعد من أبرز المعوقات التي تواجه المشاريع في تونس.

ورغم هذه الأرقام، يظل السؤال الجوهري قائماً: كم من هذه المشاريع يصل فعلياً إلى مرحلة الإنتاج؟ وكم منها يتعثر أو يتوقف في منتصف الطريق؟

البيروقراطية والتمويل: عوائق مركبة

رغم محاولات الحكومة تبسيط الإجراءات وتقليص التراخيص، يرى خبراء أن الترسانة القانونية لا تزال تحتاج إلى تحديث شامل. يوضح الخبير الاقتصادي سمير زنطور أن البيروقراطية لا تعني فقط ضياع الوقت، بل تؤدي إلى تجميد رأس المال وارتفاع كلفة المشاريع.

ومع ذلك، لا تضع بيانات البنك الدولي البيروقراطية دائماً في صدارة العوائق؛ إذ تشير المسوحات إلى أن 28.8% من المؤسسات تعتبر النفاذ إلى التمويل العائق الأكبر، يليه ضعف البنية التحتية للطاقة والضرائب، بينما جاءت التراخيص الإدارية كعقبة رئيسية لنحو 4.5% فقط من المؤسسات.

ملتقى
ملتقى اقتصادي تونسي خليجي لبحث فرص الاستثمار والشراكة.

المؤسسات الصغرى والمتوسطة: الحلقة الأضعف

تعتبر المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الأكثر تضرراً، حيث يبلغ متوسط دورة حياة المؤسسة حوالي 18 شهراً فقط، مع نسبة إغلاق سنوية تقارب 39%. ويؤكد عبد الرزاق حواص، الناطق باسم الجمعية الوطنية للمؤسسات الصغرى والمتوسطة، أن غياب التمويل والتشريعات غير المواكبة يفرض واقعاً صعباً خاصة على القطاع الفلاحي.

الاستثمار الخارجي والقضاء

في مساعيها لاستقطاب الاستثمارات، خاصة من دول الخليج، تراهن تونس على موقعها الاستراتيجي وبيئتها المستقرة نسبياً. إلا أن المستثمرين، محليين وأجانب، يشددون على ضرورة إصلاح المنظومة القضائية لضمان سرعة فض النزاعات وحماية الحقوق، باعتبار القضاء جزءاً لا يتجزأ من مناخ الاستثمار.

البيروقراطية
البيروقراطية وبطء الإجراءات من أبرز العوائق أمام جلب الاستثمارات الأجنبية.

تظل تونس أمام تحدٍ حقيقي: الانتقال من مرحلة جذب الاستثمار إلى تسهيل إنجازه واستدامته، وهو ما يتطلب معالجة حزمة متكاملة تشمل التمويل، والطاقة، والضرائب، والإدارة، والقضاء.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص