تخضع أسواق النفط العالمية لضغوط جيوسياسية غير مسبوقة، حيث تتأرجح أسعار الخام في حالة من عدم اليقين المستمر منذ اندلاع الحرب في إيران قبل أكثر من 5 أشهر. وتتحرك الأسعار وفق معادلة معقدة تجمع بين مخاطر نقص الإمدادات، والتوترات في الممرات الملاحية، والتصريحات الدبلوماسية التي تزيد من حدة التقلبات اليومية.
وقد أظهرت حركة خام برنت حجم التذبذب السعري؛ إذ سجل ارتفاعاً بنسبة تجاوزت 13% عقب الهجمات في فبراير/شباط، قبل أن يهبط إلى 69 دولاراً للبرميل في يوليو/تموز، ليعاود القفز مجدداً إلى 105 دولارات مع تجدد الهجمات على الناقلات. وبلغ متوسط سعر برنت نحو 94 دولاراً منذ بدء الأزمة، وهي مستويات جاءت أقل من التوقعات المتشائمة بفضل السحب من المخزونات وإعادة توجيه المسارات التجارية.
صدمة هرمز واضطراب الإمدادات
يعد مضيق هرمز الشريان الأهم لتجارة النفط العالمية، حيث كان يعبره نحو 20 مليون برميل يومياً قبل الأزمة، أي ما يعادل 25% من التجارة المنقولة بحراً. وتشير بيانات إدارة معلومات الطاقة إلى هبوط حاد في تدفقات الخام عبر المضيق من 21.6 مليون برميل يومياً في أواخر 2025 إلى 4.9 ملايين برميل فقط في الربع الثاني من 2026.
هذا النقص الفعلي دفع المنتجين لخفض الإنتاج أو إغلاق الآبار بسبب امتلاء مرافق التخزين، حيث قُدر حجم الإنتاج المتوقف بنحو 5.5 ملايين برميل يومياً. وعلى الرغم من الاعتماد على طرق بديلة مثل خط أنابيب شرق-غرب السعودي وزيادة الحركة عبر باب المندب، إلا أن هذه المسارات تظل أكثر تكلفة وأقل كفاءة مقارنة بالمضيق الحيوي.
رهانات التسوية وخوارزميات التداول
تلعب التصريحات السياسية دوراً محورياً في توجيه دفة الأسعار؛ إذ أدت التلميحات المتكررة بشأن قرب التوصل لاتفاق حول الملاحة إلى هبوط الأسعار في مناسبات عدة، مما كبد المتعاملين خسائر فادحة. وأشار خبراء إلى أن السوق أصبح أسيراً لخوارزميات التداول التي تتفاعل لحظياً مع كلمات مفتاحية مثل وقف إطلاق النار أو اتفاق، مما يؤدي إلى قفزات سعرية تسبق أي تغير حقيقي على أرض الواقع.
أزمة التكرير: التحدي القادم
يرى المحللون أن الضغط لم يعد مقتصراً على الخام فحسب، بل امتد إلى أزمة تكرير عالمية. فقد عجزت طاقة التكرير عن تعويض النقص في المنتجات المكررة (البنزين، الديزل، ووقود الطائرات)، مما أدى إلى تضاعف أسعار الديزل وارتفاع أسعار البنزين بنحو 50%.
وتشير توقعات وكالة الطاقة الدولية إلى احتمال حدوث عجز عالمي يبلغ 1.8 مليون برميل يومياً في الربع الثالث من العام، وسط مؤشرات على أن عودة الإنتاج والتجارة إلى مستويات ما قبل الأزمة قد لا تتحقق قبل مطلع عام 2027، مع بقاء الأسعار رهينة لوتيرة التعافي التدريجي في تدفقات الملاحة الدولية.


