عندما بدأت أعاني من آلام في منطقة المعدة، أخبرتني الفحوصات أن كل شيء يبدو طبيعياً، لكن الألم استمر ولم أشعر بالاطمئنان. قررت البحث في غوغل، وهناك اقترح عليّ روبوت محادثة أن المشكلة قد تكون في المرارة، ونصحني بإجراء تصوير بالموجات فوق الصوتية. وبالفعل، كشف الفحص أن هناك مشكلة، مما دفعني للخضوع لعملية جراحية لاستئصال المرارة.
بالنسبة للكثيرين، لم تعد الخطوة الأولى هي الاتصال بالطبيب، بل طرح السؤال على روبوتات المحادثة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، مثل تشات جي بي تي أو كوبيلوت أو جيمناي، أملاً في الحصول على إجابة فورية تساعدهم على فهم حالتهم الصحية.
محرك بحث أم دليل صحي؟
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للبحث، بل أصبح جزءاً متنامياً من الحياة اليومية. فقد أظهرت دراسة أجراها باحثون من مايكروسوفت، ونشرت في دورية Nature Health، أن ما يقرب من خُمس المحادثات مع روبوتات الذكاء الاصطناعي تتضمن تقييماً شخصياً للأعراض أو مناقشة حالات مرضية. ويشير هذا إلى أن الذكاء الاصطناعي بدأ يمثل أداة رعاية صحية أولية للكثيرين.
من العلاج إلى الوقاية
يرى خبراء أن انتشار الذكاء الاصطناعي قد يمثل تحولاً جذرياً، خاصة مع توقعات منظمة الصحة العالمية بعجز عالمي يصل إلى 11 مليون عامل صحي بحلول عام 2030. يقول الدكتور دانيال كرافت، مؤسس منصة NextMed Health: إن الاستخدام الواعي للذكاء الاصطناعي يمكن أن يوسع الوصول إلى المعلومات الصحية ويعزز العدالة الصحية، لأنه يوفر رؤى موثوقة لكثيرين لم تكن متاحة لهم من قبل.
ويضيف كرافت أن هذه الأدوات يمكنها تكييف الإجابات وفق اللغة والثقافة والمستوى التعليمي للمستخدم، كما يتوقع أن تتمكن المنصات مستقبلاً من دمج التاريخ الطبي والبيانات الوراثية لتقديم إرشادات أكثر تخصيصاً، مما ينقل الرعاية الصحية من علاج المرض إلى الوقاية الاستباقية.
محادثة بدلاً من البحث التقليدي
يوضح البروفيسور جيمس بارلو، أستاذ إدارة التكنولوجيا في إمبريال كوليدج لندن، أن جاذبية هذه الأدوات تكمن في أسلوبها التفاعلي. فبدلاً من قائمة روابط جامدة، تتيح المحادثة طرح أسئلة متابعة والحصول على شروحات للمصطلحات السريرية المعقدة. ومع ذلك، يحذر بارلو من أن تفاوت الثقافة الرقمية قد يؤدي إلى اتساع الفجوات الصحية إذا لم تُوضع سياسات تضمن استخدام هذه التقنيات بشكل عادل وآمن.
أين تكمن المخاطر؟
رغم الفوائد، يحذر الخبراء من منح روبوتات المحادثة ثقة مطلقة. يؤكد الدكتور جوزيف ألدرمان، الباحث المتخصص في الذكاء الاصطناعي بجامعة برمنغهام، أن هذه الأنظمة قد تخطئ، وتقديمها للمعلومات بثقة قد يضلل المستخدمين. ويشدد على أن الحالات الطارئة، مثل ألم الصدر أو السكتة الدماغية، تتطلب الاتصال بخدمات الطوارئ فوراً، ولا يمكن بأي حال أن تكون روبوتات المحادثة بديلاً عن التقييم السريري المباشر.
في نهاية المطاف، يتفق المتخصصون على أن الذكاء الاصطناعي لن يحل محل الطبيب، بل سيعيد تشكيل الدور المهني للأخير؛ حيث سيصبح الطبيب هو المسؤول عن تفسير المعلومات التي يولدها الذكاء الاصطناعي والتحقق من دقتها ووضعها في سياقها الصحيح، لتبقى الخبرة البشرية والتعاطف هما حجر الزاوية في الرعاية الطبية.


