تحديات بيئية واقتصادية تلوح في الأفق مع استمرار تراجع مستوياته

البحر الميت: شريان الحياة الذي يواجه خطر الزوال تحت وطأة الانحسار

البحر الميت: مشهد يوثق تراجع مستوياته

يُعد البحر الميت واحداً من أكثر المعالم الجيولوجية تفرداً على وجه الأرض، فهو ليس مجرد بحيرة شديدة الملوحة، بل هو أخفض نقطة على اليابسة، وموقع يحمل في طياته تاريخاً جيولوجياً يمتد لملايين السنين. إلا أن هذا المعلم الطبيعي يواجه اليوم تحدياً وجودياً يتمثل في انحسار مياهه بشكل متسارع، مما يثير مخاوف بيئية وجيولوجية جسيمة.

كيف تكوّن البحر الميت؟

نشأ البحر الميت نتيجة حركة الصفائح القارية، وتحديداً انفصال القارة الإفريقية عن شبه الجزيرة العربية قبل نحو 15 مليون سنة، مما أدى إلى تشكل الصدع الذي غمرته المياه لاحقاً. عبر العصور، شهدت المنطقة ولادة واختفاء بحيرات عديدة، مثل بحيرة أصدم وبحيرة اللسان، إلى أن استقر الوضع قبل نحو 15 ألف سنة على البحيرات الحالية: طبريا، بيسان، والبحر الميت.

أسباب الانحسار: صراع المياه

يرى خبراء، ومنهم زيد السوالقة، الرئيس التنفيذي لجمعية أصدقاء البحر الميت، أن السبب الرئيسي للانحسار ليس التغير المناخي فحسب، بل التحويل الجذري لمجرى نهر الأردن الذي كان يمثل شريان الحياة للبحر. فبعد أن كان النهر يصب ما يقارب مليار و400 مليون متر مكعب سنوياً، لا يصل حالياً سوى 7 في المئة من هذه الكمية.

شكل
يوضح هذا الرسم البياني تقلص مساحة البحر الميت منذ عام 1950 مع توقعات للمستقبل حتى عام 2400

تتزامن هذه الأزمة مع استنزاف المصبات الفرعية لصالح مشروعات تحلية المياه، مما أدى إلى تسارع وتيرة انخفاض المنسوب من ربع متر سنوياً في الثمانينيات إلى متر ونصف حالياً، وسط عمليات تبخر طبيعية لا تجد ما يعوضها.

مخاطر الحفر الغاطسة

من أخطر تداعيات انحسار المياه هو ظهور الحفر الغاطسة في المناطق المحيطة. تتكون هذه الحفر نتيجة ذوبان الأملاح في التربة الرملية بفعل الري بالمياه العذبة، مما يجعل التربة هشة وغير مستقرة. يمكن أن يصل عمق هذه الحفر إلى 30 أو 40 متراً، مما يشكل تهديداً مباشراً للسكان والمارة في المناطق المحيطة.

مجسم
مجسم توضيحي في متحف البحر الميت يشرح آلية تكون الحفر الغاطسة

مستقبل غامض: هل يختفي البحر؟

تشير التقديرات إلى أن مساحة سطح البحر الميت تقلصت من 950 كيلومتراً مربعاً قبل قرن إلى حوالي 600 كيلومتر مربع حالياً. وفي حال استمرار شح المياه المغذية، قد ينخفض منسوب السطح بمقدار 80 متراً إضافية بحلول عام 2400، ليبقى ثلثا مياه البحر الحالية فقط.

مجسّم

الحياة في قلب الملوحة

رغم قسوة البيئة، يثبت البحر الميت أن الحياة تجد طريقها؛ حيث تنتشر مجموعات ميكروبية حمراء اللون تُعرف بـ محبات الملح في الطبقات العليا للمياه. هذه الكائنات الدقيقة توفر للعلماء فرصة لدراسة كيفية تأقلم الأحياء مع الظروف الكيميائية القاسية، مما يؤكد أن البحر الميت، رغم اسمه، ليس ميتاً تماماً من الناحية البيولوجية.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص