مع مطلع العام الدراسي الجديد، تتصاعد المخاوف العالمية من تغلغل العالم الرقمي في حياة الأطفال اليومية، في ظل توجه أكثر من نصف دول العالم لفرض قيود على استخدام الهواتف داخل المدارس، وسعي دول أخرى لضبط أعمار المستخدمين على منصات التواصل الاجتماعي.
تُشير التقديرات إلى تعرض أكثر من 300 مليون طفل سنوياً لأشكال من الاستدراج أو التحرش الرقمي، أو التعرض لمواد غير لائقة. هذه الأرقام تخفي خلفها مآسٍ إنسانية؛ إذ يجد الأطفال أنفسهم ضحايا لعمليات ابتزاز معقدة، حيث ينتحل المبتزون شخصيات وهمية للسيطرة على حسابات الأطفال وتهديدهم بنشر صورهم الخاصة، مما يدفع الضحايا إلى حالات من القلق الحاد، وفقدان التركيز الدراسي، وصولاً إلى التفكير في إيذاء النفس.
الشاشة التي سرقت الأسرة
لا تتوقف مخاطر العالم الرقمي عند حد الابتزاز، بل تمتد لتشمل انعزال الطفل عن محيطه الأسري. يلاحظ الخبراء تراجع الحوار العائلي لحساب الساعات الطويلة أمام الشاشات، حيث تتحول الأجهزة إلى مصدر المتعة الوحيد للطفل، مما يؤدي لارتفاع معدلات الاكتئاب والقلق. ومع ذلك، يؤكد المختصون ضرورة عدم اعتبار الاستخدام الرقمي سبباً حتمياً لهذه المشكلات، فقد تكون الألعاب أو وسائل التواصل مجرد ملاذ لطفل يعاني أساساً من صعوبات اجتماعية أو مدرسية.
الخوارزميات.. حين تعرف الطفل أكثر مما يعرف نفسه
تكمن المعضلة الأخلاقية في أن منصات التواصل تصمم خوارزمياتها لتحويل انتباه المستخدم إلى سلعة تُباع للمعلنين. ويحذر البروفيسور ريان علي، أستاذ جامعة حمد بن خليفة، من أن هذه الخوارزميات قادرة على قراءة سلوك الطفل واكتشاف نقاط ضعفه، لتقدم له محتوى مصمماً خصيصاً لإبقائه متصلاً لأطول فترة ممكنة، حتى لو كان ذلك المحتوى يعزز حالات الاكتئاب أو التوتر لديه.
هل الحظر هو الحل الأمثل؟
تتنوع الآراء حول فعالية الحظر؛ فبينما يرى البعض أنه وسيلة ضرورية، يرى خبراء أن الحظر بلا إنفاذ حقيقي لا يمنع الأطفال من التحايل على القيود العمرية. ويشدد البروفيسور ريان علي على أن الحل يكمن في تضافر جهود الأسرة والمؤسسات التعليمية والضغط على شركات التكنولوجيا لتغيير فلسفة خوارزمياتها، بحيث يتم تخصيص المحتوى لتنمية مهارات الطفل بدلاً من حبسه داخل فقاعة رقمية مغلقة.
الآباء.. جزء من المشكلة والحل
تشير الدراسات إلى أن إدمان الآباء للاستخدام الرقمي ينعكس بشكل مباشر على الأبناء، فالطفل يتعلم من القدوة والسلوك الذي يراه داخل منزله. وتؤكد الخبيرة دراغانا كورين أن أقوى أدوات الحماية ليست تطبيقاً إلكترونياً، بل تعزيز علاقة الثقة بين الطفل ووالديه، بحيث يشعر الطفل بالأمان للعودة إليهما ومصارحتهما عند تعرضه لأي مشكلة أو استدراج رقمي.


