تشهد العلاقات بين الولايات المتحدة والصين تحولاً تدريجياً من مرحلة التصعيد المفتوح إلى محاولة بناء توازن جديد؛ مدفوعاً بإدراك الطرفين أن المنافسة بين قوتين عظميين لا يمكن إلغاؤها، لكن يمكن ضبطها لمنع الانزلاق نحو مواجهة عسكرية أو حرب باردة جديدة.
ويشير الباحث الصيني دا وي في مقال تحليلي إلى أن اجتماع الرئيسين الصيني شي جين بينغ والأمريكي دونالد ترمب في بكين خلال شهر مايو/أيار الماضي، قد أرّس قواعد توافقية تهدف إلى بناء علاقة تقوم على الاستقرار الإستراتيجي، وهو مفهوم لا يستهدف الردع النووي فحسب، بل يركز على إدارة الخلافات وتوسيع نطاق التعاون في الملفات ذات المصالح المشتركة.
إدارة المنافسة كضرورة واقعية
لم تعد بكين تنظر إلى مفهوم المنافسة الإستراتيجية كأداة لاحتواء صعودها، بل باتت أكثر استعداداً للاعتراف بطبيعة العلاقة التنافسية مع واشنطن، وهو ما يعكس ثقة متزايدة بقدرة الصين على حماية مسارها التنموي. ورغم استمرار الاحتكاكات، بدءاً من القيود التجارية وصولاً إلى الإجراءات المضادة، فقد حرص الطرفان على إبقاء هذه التدابير ضمن حدود لا تؤدي إلى تصعيد خطير.
ويؤكد التحليل أن العودة إلى الاستقرار خلال 8 أعوام رغم تغير الإدارات الأمريكية، تعود لضغوط بنيوية لا يمكن تجاوزها، مثل تشابك سلاسل الإمداد، وصعوبة الفصل الاقتصادي الكامل، والكلفة الكارثية لأي مواجهة بين قوتين نوويتين.
الثقة الصينية وتحديات الذكاء الاصطناعي
يربط الكاتب التحول في السياسة الصينية بزيادة الثقة في القدرات التكنولوجية المحلية، حيث دفعت سنوات القيود الأمريكية بكين لتعزيز صناعة الرقائق والابتكار المحلي، خاصة في مجال الذكاء الاصطناعي، الذي أظهرت فيه الشركات الصينية قدرة تنافسية عالية وبتكاليف أقل.
ومع ذلك، لا يزال الطريق أمام هذا الاستقرار محفوفاً بالمخاطر؛ إذ تخلق التقنيات الناشئة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، ساحات تنافس جديدة، مما يفرض على الطرفين قبول قدر من الهشاشة المتبادلة بدلاً من السعي وراء أمن مطلق قد يثير مخاوف الطرف الآخر.
تايوان: الاختبار الأكبر للتهدئة
تظل قضية تايوان النقطة الأكثر حساسية وخطورة في مسار العلاقات بين واشنطن وبكين. ويقترح دا وي ضرورة تعزيز الاتصالات العسكرية المباشرة، وتطوير آليات إدارة الأزمات، وترتيبات لتقليل مخاطر الصدام الميداني في البحر والجو والفضاء.
ويختتم المقال بأن قمة سبتمبر/أيلول المرتقبة في واشنطن تمثل محطة مفصلية لترسيخ هذا التوازن، حيث يُعد الحفاظ على أفق إعادة التوحيد السلمي وتجنب استفزازات بيع الأسلحة الكبيرة لتايوان، خطوات عملية قد تمنع تدهور الأوضاع وتحافظ على مكاسب الاستقرار الإستراتيجي الهش بين القوتين.


