كلما تحدث الناس عن السلام في اليمن، اصطدموا فوراً بتلك المعضلة السميكة التي تعودنا عليها: "من يبدأ أولاً؟". هذا السؤال وحده كان كفيلاً بإجهاض كل فرصة، فالحكومة تشترط شيئاً، والطرف الآخر يشترط سواه، ويبقى الملف يدور في مفرمة "إدارة الصراع" بدلاً من البحث الجاد عن مخرجات حقيقية.
من هنا تبرز أهمية القراءة الرصينة والعميقة التي قدمها الباحث والأكاديمي العماني، الدكتور طالب بن خلفان بن سالمين الضامري (رئيس دار ومكتبة الضامري للنشر والتوزيع)، وهو يفكك بنظرة واعية وموضوعية تفاصيل "مبادرة التلازم والتزامن لبناء الثقة والسلام في اليمن" التي طرحها الشيخ عبد العزيز العقاب.
الدكتور طالب الضامري يضع يده بدقة على الجرح الأول الذي تعاني منه كل المبادرات السابقة: "انعدام الثقة". كل طرف مرعوب من أن يقدم خطوة منفرداً فتضعف جبهته، بينما الطرف الآخر متفرج. الحل إذن ليس في انتظار حسن النوايا، بل في مبدأ «التلازم والتزامن»؛ أي حزمة متكاملة من الخطوات الإنسانية، والاقتصادية، والعسكرية، التي تتحرك جنباً إلى جنب وبشكل متزامن، فلا أحد يقدم تنازلاً مجانياً، ولا أحد يستطيع التملص. والمقال هنا يستند إلى روح الدين والشرع في الوفاء بالعهود، مع "فقه واقع" يفهم لغة المصالح والمخاوف دون استسلام لموازين القوة الظالمة.
أكثر ما لفت الانتباه في قراءة الدكتور الضامري هو تركيزه الصارم على الناحية الاقتصادية والمعيشية. السلام الحقيقي لا يُقاس بالخطابات، بل بما يلمسه المواطن في بيته. ولهذا اعتبر الضامري أن ملف "صرف مرتبات الموظفين" هو المحك الحقيقي والاختبار الأهم.
لكن الأمر لا يترك هكذا على عواهنه؛ بل يتطلب تشكيل لجان فنية نزيهة لتنقية كشوفات 2014، وحماية حقوق المستحقين الفعليين بعيداً عن أي إقصاء أو حسابات سياسية ومناطقية. وإلى جانب ذلك، لابد من شفافية مطلقة في إدارة الموارد المشتركة (نفط، غاز، موانئ، ضرائب) وتوريدها لحساب موحد تحت رقابة صارمة ومستقلة، تمنع نهائياً تحويل لقمة عيش الناس إلى ورقة صراع.
على الأرض، لا يكتفي التحليل بالعموميات، بل يشير بوضوح إلى أن تشكيل لجان عسكرية وأمنية مشتركة يجب أن يكون مؤسساً على عسكريين مهنيين وغرف عمليات حقيقية. سحب السلاح الثقيل من مناطق التماس لا يكون شعارات، بل بخطوات مزمنة ومحدودة المسافات وموثقة المواقع، تمنع أي تحشيد جديد أو زراعة ألغام تفجر الموقف من جديد. وحتى وقف إطلاق النار، يجب أن يُحاط بقواعد واضحة جداً للتعامل مع الخروقات البسيطة، حتى لا يأتي احتكاك ميداني عابر ليهدم البناء كله.
لا يغفل التحليل الجانب السياسي؛ فالتجهيز لحكومة كفاءات توافقية يجب أن يحە بدقة شديدة حتى لا تتحول إلى "محاصصة حزبية" بلباس تكنوقراط جديد. كما أن رسم معالم المرحلة الانتقالية، وضمان مشاركة حقيقية لكل المحافظات، والشباب، والنساء، والضحايا، يجعل من الحل مشروعاً وطنياً يمنياً خالصاً. وكل هذا يحتاج بالطبع إلى مصفوفة زمنية محددة وضمانات دقيقة تجعل عقاب المعرقلين موجهاً نحو مصلحة الشعب لا ضده.
وخلاصة القول إن ما كتبه الدكتور طالب الضامري ليس مجرد استعراض لمبادرة سياسية، بل هو تشريح علمي وعملي لما يجب أن يكون عليه طريق السلام في اليمن. إنه يذكرنا بأن السلام المستدام لا يُصنع بانتصار طرف على آخر، بل بالعدل، وحفظ حقوق الناس، واستعادة الدولة، ووضع مصلحة الإنسان اليمني فوق كل الاعتبارات الضيقة.


