تشهد فرنسا تحولاً لافتاً في الأنماط الاجتماعية لدى الشابات المسلمات، حيث يتزايد الإقبال على ارتداء الحجاب بشكل يتجاوز الموروث العائلي التقليدي، ليصبح تعبيراً عن الهوية الشخصية والاعتزاز بالانتماء الديني.
ويشير عالم الاجتماع والكاتب طارق يلدز، استناداً إلى بيانات معهد إيفوب، إلى أن نسبة الشابات المسلمات (بين 18 و24 عاماً) اللواتي يرتدين الحجاب ارتفعت إلى 45% في عام 2025، مقارنة بـ 16% فقط في عام 2003. وفي المقابل، سجلت الفئات العمرية الأكبر (فوق 50 عاماً) تراجعاً ملحوظاً في هذه الممارسة، مما يؤكد وجود فجوة جيلية واضحة في فهم ودوافع ارتداء الحجاب.
أبعد من التقليد: الحجاب كأداة للهوية والأمان
لا تنظر الشابات اليوم إلى الحجاب كإرث عائلي، حيث أفادت 38% من المستطلعات أن الحجاب يمثل وسيلة لإعلان هويتهن الإسلامية بشكل علني. ويرى يلدز أن هذا التوجه يعكس رغبة الجيل الجديد في إيجاد إطار قيمي متماسك في ظل تراجع الانتماءات الجماعية التقليدية.
الفخر بالهوية ليس السبب الوحيد، فبعض النساء يعتبرن الحجاب وسيلة للشعور بالأمان في الفضاء العام، إذ إن 44% منهن يقلن إنهن يرتدينه لتجنب لفت أنظار الرجال، بينما تقول 42% إن الهدف هو الشعور بالأمان، و15% حتى لا يُنظر إليهن باعتبارهن غير محتشمات.
وعلى عكس التصورات الشائعة التي تربط الحجاب بالضغوط العائلية، أظهرت البيانات أن نسبة ضئيلة جداً (2%) فقط أرجعن قرارهن إلى ضغوط الأسرة، مما يعزز فرضية أن القرار نابع من قناعة شخصية وخيارات فردية واعية.
دور الرقمنة في تشكيل الهوية
يلعب الفضاء الرقمي وشبكات التواصل الاجتماعي دوراً محورياً في تعزيز هذه الظاهرة، حيث توفر منصات رقمية تتيح للشباب تبادل الدعم والتعبير عن انتمائهم الديني في بيئة داعمة. ويخلص يلدز إلى أن ظاهرة الحجاب في فرنسا تعكس تحولاً أوسع في علاقة الشباب بالدين، حيث بات الحجاب رمزاً للفخر بالهوية الدينية ووسيلة للحماية الشخصية في الفضاء العام، بعيداً عن كونه مجرد علامة على التمسك بالتقاليد أو الانغلاق.


