400 عام من الجدل: هل كانت الحقبة العثمانية في تونس عهداً ذهبياً أم احتلالاً استنزافياً؟

400 عام من الجدل: هل كانت الحقبة العثمانية في تونس

تُعد الفترة العثمانية في شمال أفريقيا، التي امتدت لأربعة قرون منذ أوائل القرن السادس عشر وحتى مطلع القرن العشرين، واحدة من أكثر المحطات التاريخية إثارة للجدل في الذاكرة التونسية. وتتأرجح القراءات التاريخية لهذه الحقبة بين نظرتين متناقضتين: الأولى رومانسية تحتفي بالفتوحات والتبادل الثقافي، والثانية سياسية تركز على المصالح الاقتصادية والحروب والمذابح.

إعادة قراءة الحضور العثماني

يوضح الباحث الدكتور مصطفى بن الطاهر ستيتي، استناداً إلى أبحاثه المعمقة في الأرشيفين العثماني والتونسي، أن النظرة الرومانسية لطالما اختزلت الوجود العثماني في إطار التبادل الثقافي، متجاهلة حقيقة كونهم القوة المهيمنة التي سعت لفرض نفوذها السياسي والاقتصادي، وهو ما أدى إلى صراعات دموية رسمت ملامح المنطقة.

وفي هذا السياق، يشير ستيتي إلى حقيقة القوة العسكرية التي قادها خير الدين وعروج بربروس، مؤكداً أن التصور الشائع بقدومهما على رأس جيش جرار يفتقر للدقة التاريخية، إذ كانت المجتمعات المحلية في تونس مستعدة فعلياً لمقاومة هذا التدخل الأجنبي.

فصول من المعاناة والمقاومة

يستعرض البحث التاريخي جانباً من المآسي التي عاشتها تونس تحت وطأة الصراعات والاحتلال، ومن أبرزها:

  • مأساة برج الجماجم: حيث تعرضت دور العبادة للتدنيس، وجمع الغزاة جماجم القتلى وعظامهم لبناء برج كتعبير عن البطش.
  • مقاومة العروش (1881): خاضت القبائل التونسية، لا سيما عرش المراسنة وعرش وشتا، معارك ضارية ضد القوات الفرنسية، واجهتها الأخيرة بحملات انتقامية شملت هدم المنازل والتهجير القسري إلى جزيرة سانت مارغريت جنوب فرنسا.
  • مذبحة غار دماء (1961): التي شهدت قصفاً عنيفاً من القوات الفرنسية بذريعة مطاردة المقاومين الجزائريين.

جدلية الثروة والسيادة

يختتم الدكتور ستيتي تحليله بالإشارة إلى أبعاد استنزاف الموارد، مستشهداً بمقولة الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي: تونس أغنى دولة لأنها منذ فجر تاريخها تُسرق ولم تفلس، وهو تعبير يعكس الإرث الثقيل للتدخلات الخارجية التي تعاقبت على البلاد طوال قرون، وربطت مصير تونس بمصالح القوى الإقليمية والدولية على حساب سيادتها ومواردها.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص