كشفت موجة الاحتجاجات الطلابية غير المسبوقة في فرنسا النقاب عن ضغوط مالية متزايدة تواجهها البلاد؛ وهي أزمات تزداد حدة مع سعي ثاني أكبر اقتصاد في أوروبا إلى كبح جماح العجز المتضخم في الميزانية، وسط مخاوف من تداعيات قد تهز استقرار منطقة اليورو بأكملها.
وتشهد الأوضاع المالية الفرنسية حالة من الهشاشة؛ إذ تجاوز الدين العام حاجز الـ4 تريليونات دولار في يونيو الماضي، متخطياً بذلك حجم الاقتصاد الوطني. كما ارتفعت تكلفة خدمة هذا الدين بمليارات الدولارات مقارنة بالعام الماضي، مدفوعةً بالقفزة الكبيرة في عوائد السندات.
الاضطرابات الاجتماعية وتحديات الميزانية
في غضون ذلك، تتزايد الأعباء على الخزانة العامة نتيجة ارتفاع تكاليف معاشات التقاعد بسبب شيخوخة السكان، وتوجه الحكومة لزيادة الإنفاق الدفاعي. وتأتي هذه التحديات في وقت يحتج فيه طلاب المدارس الثانوية على نقص الموظفين، واكتظاظ الفصول الدراسية، وتهالك البنية التحتية للمدارس.
وقد أدت الحلول المقترحة سابقاً لمعالجة الأزمات المالية إلى اضطرابات اجتماعية واسعة، مثل احتجاجات عام 2023 ضد رفع سن التقاعد. ورغم المقترحات الحكومية الأخيرة بتخفيض الإنفاق وزيادة الضرائب، يساور المستثمرين قلق من احتمال تخفيف هذه التدابير قبيل الانتخابات الرئاسية المقبلة.
مخاطر انتقال العدوى المالية
أدى اتساع الفارق بين عوائد السندات الفرنسية والألمانية إلى مستويات لم تشهدها الأسواق منذ عام 2012، إلى إثارة مخاوف من انتقال التداعيات إلى أسواق الديون الأوروبية الأخرى. ويرى خبراء اقتصاديون أن أهمية فرنسا النظامية تجعل من احتمالية انتقال العدوى إلى منطقة اليورو ككل أمراً وارداً، مما قد يتسبب في أزمة خطيرة للمنطقة بأسرها.
وقد انعكست هذه المخاوف على العملة الموحدة، حيث سجل اليورو تراجعاً ملحوظاً مقابل الدولار، متأثراً بضبابية المشهد المالي والاقتصادي.
تأثيرات على التعافي الاقتصادي
تؤدي زيادة عوائد السندات إلى رفع تكلفة الاقتراض في جميع قطاعات الاقتصاد، مما يجعل الحصول على التمويل لشراء المنازل أو السيارات أكثر تكلفة، ويؤدي إلى تراجع الاستثمار الخاص. وفي هذا السياق، حذر محللون من أن أوضاع المالية العامة في أوروبا تشكل مخاطر جسيمة لا تقتصر على حدود فرنسا، بل تمتد لتطال الأسواق المالية في منطقة اليورو والاقتصاد الأوروبي ككل، الذي كان قد بدأ يظهر بوادر مرونة مفاجئة مؤخراً.


