يحذر خبراء في شؤون المناخ من تهديد صحي متزايد يتربص بالبشرية من أعماق الجليد الدائم في سيبيريا، حيث يؤدي الاحترار العالمي إلى ذوبان مساحات شاسعة من التربة المتجمدة التي تعمل كمخزن طبيعي لمسببات أمراض قديمة وخطيرة.
وفاة غامضة تثير المخاوف
تأتي هذه التحذيرات في أعقاب وفاة غامضة لفنية مختبر تدعى داريا شيبيلوفا (28 عاماً) في سيبيريا، وسط تقارير غير مؤكدة تشير إلى إصابتها بالطاعون الرئوي، مما دفع السلطات الروسية إلى عزل نحو 200 شخص من المخالطين لها. وعلى الرغم من إرجاع الرواية الرسمية الوفاة إلى التهاب رئوي مجهول المنشأ، إلا أن بطء الاستجابة الروسية وتأخرها في تزويد منظمة الصحة العالمية بالتفاصيل أثار قلقاً دولياً واسعاً بشأن الشفافية في التعامل مع المخاطر البيولوجية المحتملة.
خطر الفيروسات الزومبي
تكمن الخطورة الحقيقية في أن التربة المتجمدة تحتفظ ببقايا أوبئة تعود لعصور غابرة. فقد رصد العلماء الحمض النووي لفيروس الجدري في جثث محنطة عمرها 300 عام، كما تم استخراج الحمض النووي الريبي لفيروس الإنفلونزا من رئة جثة مدفونة منذ عام 1918. الأخطر من ذلك هو نجاح العلماء في إحياء مسببات أمراض ظلت خاملة لعشرات الآلاف من السنين، بعضها يرتبط بمسببات أمراض بشرية شائعة، بينما يخشى العلماء من فيروسات وبكتيريا قديمة لم يسبق للبشرية التعامل معها.
تغير المناخ ومقاومة المضادات الحيوية
مع ارتفاع حرارة القطب الشمالي بمعدل أسرع بأربع مرات من بقية الكوكب، تتسارع عملية ذوبان التربة المتجمدة، مما يفتح صندوق باندورا من مسببات الأمراض. ويشير الباحثون إلى أن الخطر يتضاعف بوجود جينات مقاومة للمضادات الحيوية منتشرة بين البكتيريا الموجودة في هذه التربة، مما يجعل مكافحتها أمراً معقداً للغاية في حال تسربها إلى التجمعات البشرية، لا سيما مع زيادة الأنشطة الصناعية وحركة العمال في تلك المناطق.
سابقة الجمرة الخبيثة
لا يعد الحديث عن هذه الأوبئة مجرد فرضيات علمية، فقد شهد عام 2016 تفشياً للجمرة الخبيثة في سيبيريا نتيجة ذوبان التربة المتجمدة بعد صيف حار وجاف، مما أدى إلى وفاة صبي ونفوق أكثر من 2300 رأس من الرنة، وهو ما يعد جرس إنذار لما قد يخبئه المستقبل.
غياب الشراكات البحثية
على الرغم من التحذيرات التي أطلقها علماء من فرنسا وألمانيا وروسيا عام 2023 بشأن ضرورة دراسة هذه المخاطر، إلا أن التوترات الجيوسياسية الراهنة عقّدت تبادل المعلومات والشراكات البحثية الدولية. ويؤكد الخبراء أن غياب الشفافية في الإبلاغ عن الحوادث الصحية، كما حدث في واقعة شيبيلوفا الأخيرة، يفاقم المخاطر الصحية العالمية ويجعل من الصعب تقييم التهديدات البيولوجية الناشئة قبل خروجها عن السيطرة.


