اقرأ لتعرف إن كنت مصاباً بالفومو: كيف جعلتنا وسائل التواصل الاجتماعي في خوفٍ دائم؟

يستيقظ أحمد في السابعة والنصف صباحًا استعدادًا لبدء يومه والذهاب إلى عمله، ولكن بمجرد أن يفتح عينيه يبحث بلهفة عن هاتفه الذكي، ويفتح تطبيقات التواصل الاجتماعي؛ للاطلاع على ما قد حدث أثناء نومه والتفاعل معه، وهو لا يزال في الدقائق الأولى من يومه، ربما لا تندهش من الفعل السابق بسبب انتشاره في حياتنا اليومية، لكن لو طُرح نفس الموقف قبل 20 سنة أو أكثر؛ لاستغربه الكثيرون واستنكروه.

الأمر لا يتوقف عند هذا الحد؛  فطوال اليوم ينشغل الكثيرون بالإشعارات الواردة إلى هواتفهم، حتى وإن لم تحمل أية أهمية حقيقية؛ مما يتسبب في هدر الكثير من الأوقات التي من الممكن أن تُقضى في التواصل الحقيقي مع المحيطين، ولكن هل تعلم أن كل هذا ليس أمرًا عابرًا، وأنه قد أجريت العديد من الدراسات حوله، ويُعرف بـ«الفومو»، فماذا تعني هذه الكلمة؟

ما هو «الفومو»، وهل تعاني منه؟

يرجع أصل مصطلح «الفومو (FOMO)» إلى مقالة كتبها الأكاديمي جوزيف ريجل، في مجلة هاربوس التابعة لكلية هارفارد للأعمال في أمريكا، وهو اختصار لجملة «Fear of missing out»، وتعني «الخوف من أن يفوتك شيء يحدث في المجتمع من حولك، وبشكل خاص على شبكات التواصل الاجتماعي»، وقد سُجل المصطلح في قاموس أكسفورد عام 2006م.

ويسيطر على الأشخاص المصابين بالفومو، خوف دائم من عدم معرفتهم بالمناسبات الاجتماعية، والخبرات والتفاعلات، التي تحدث على شبكات التواصل الاجتماعي، وقد يجهلون ماهية الشيء الذي يفقدونه ويدفعهم للخوف، ولكنهم يكونون مدفوعين بتخوف من وجود أشخاص آخرين يحظون بأوقات سعيدة للغاية، أو تجارب ممتعة لا يتابعونها لحظة بلحظة.

كما يزيد الفومو من اعتقاد الشخص بمدى الأهمية الفائقة لاتصاله الدائم بحساباته على مواقع التواصل الاجتماعي، باحثًا عن تواصل أكثر إثارة مع الآخرين، ومقابل ذلك يتخلى عن اتصالاته الفعلية، دون إدراك خطورة وتأثير ما يفعل، وقد يصل الأمر إلى تجاهل سلامته الشخصية، مقابل البقاء على اتصال دائم مع هاتفه أو وسيلة الاتصال، التي تجعله يتابع لحظة بلحظة ما يدور في ذلك العالم الافتراضي.

وقد كشف استطلاع رأي أجراه موقع «MyLife.com» الأمريكي عام 2013، أن 56% من الأشخاص المشاركين في الاستطلاع، يخشون فوات أحداث وأخبار وأنشطة هامة أثناء فترات ابتعادهم عن شبكات التواصل الاجتماعي، ولم تكن هذه النسبة الوحيدة التي توصل إليها الاستطلاع، فقد وجدوا أن 51% من مستخدمي هذه الشبكات يزورون حساباتهم بشكل متكرر أكثر مما كان الوضع عليه قبل عامين فقط، و27% منهم يتفقدون حساباتهم بمجرد الاستيقاظ  من النوم.

ما الذي يدعو إلى هذا الخوف غير المنطقي؟

من وجهة نظر علم النفس، فإن «الفومو» يظهر أحيانًا نتيجة تجارب مؤذية يتعرض لها الأشخاص، يصيبهم على إثرها القلق الاجتماعي؛ الذي يدفعهم للرغبة في التواجد متصلين بالمجتمع الافتراضي الذين يندمجون فيه على مواقع التواصل الاجتماعي، وقد يتحول ذلك القلق إلى قلق قهري يجعل الشخص لا يستطيع أن يفوت لحظة لا يكون مطلعًا فيها على ما يدور في حساباته على هذه المواقع.

من أبرز علماء النفس الذين سعوا في بحث أسباب «الفومو»؛ الأمريكية أنيتا سانز، والتي تُؤصل للظاهرة بالعودة إلى زمن الحياة البدائية، عندما كان الأشخاص يعيشون ضمن قبائل مختلفة، وكان يتوجب عليهم المتابعة المستمرة للأخطار المُتوقعة التي تحيط بهم، أو بالقبيلة التي ينتمون إليها؛ مما دفعهم لأن يجوبوا أنحاء المكان الذي يقيمون فيه على هيئة مجموعات صغيرة، وهو أمر اعتبر آنذاك مسألة حياة أو موت، فإذا كان أفراد القبيلة يجهلون مصدرًا جديدًا للطعام، فهذا يعني أنهم فقدوا عاملًا حيويًا، وقد يقودهم ذلك فعليًا إلى الموت، ثم تطور الأمر شيئًا فشيئًا، فظهرت الصحف ثم التليفزيون، وبعد ذلك الإنترنت، وصولًا إلى شبكات التواصل الاجتماعي.

في واقعنا الحالي يعد استبعادنا، أو عدم السماح لنا بالاطلاع على ما يجري من أحداث، أمرًا مثيرًا للانتباه، ويجعلنا نوجه جهدنا لمعرفته، لا يُعد الأمر مجرد سرد نظري، لكن له أصل فسيولوجي يتمثل في وجود جزء في الدماغ وظيفته استشعار الاستبعاد الذي يتعرض له الشخص، والعمل على تفاديه، وبما أن شبكات التواصل الاجتماعي أضحت وسيلة مهمة للتواصل اليوم، فإن هذا الجزء ينشط ويتحفز بشكل واضح أثناء تصفحنا لها.

هذه «اللوزة الدماغية (Amygdala)» جزء من الجهاز المسؤول عن سلوكياتنا العاطفية والانفعالية والذاكرة المرتبطة بهما، ويتضمن ذلك اكتشاف الأمور التي تهدد سلامتنا وبقاءنا على قيد الحياة، لذلك فعند عدم معرفتنا بتفاصيل ما يجري حولنا؛ نشعر بأننا أصبحنا خارج المجموعة الاجتماعية التي ننتمي إليها، وهذا ينعكس على تلك اللوزة الدماغية؛ فيصبح الشخص متوترًا، ويبحث عن رد فعل يتخذه.

ويأتي رد الفعل على هيئة أعراض «الفومو»، فيبذل الشخص جهده كي لا يفوته أي شيء، ويظل طوال الوقت يبحث عن كل ما حدث في يومه، بتفقد حساباته على وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة.

 

كيف تتأكد من إصابتك بـ «الفومو»؟

في ظل التنامي المطرد لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي بشراهة، أصبح الكثير من مستخدميها يعانون من تأثيراتها السلبية على حياتهم، ولكن متى يصل الأمر إلى درجة أن يُصنف الشخص على أنه أحد المصابين بالفومو؟ هناك العديد من الأعراض التي تحدد لك ذلك مثل:

1- تريد أن تفعل كل شيء وتتواجد في كل مكان: يعد جدول المهام المُعبأ بمثابة الحلم بالنسبة إليك، فتشعر دائمًا بالرغبة في المشاركة في العديد من الأشياء، ولا تتقبل أن تكون ضمن الغائبين عن إحدى الفعاليات أو الأنشطة، كما تشترك بشكل متزايد في العديد من النشرات الإخبارية، بالرغم من عدم توافر الوقت الكافي لديك لمتابعتها.

2- ترهق نفسك في الجمع بين العديد من وسائل التواصل الاجتماعي: من «فيسبوك إلى تويتر إلى إنستجرام إلى سناب شات»، وتقضي يومك في هذه الدائرة التي لا تنتهي، متابعًا لما يحدث على وسائل التواصل الاجتماعي السابقة، إذ إن أول ما يتبادر إلى ذهنك عند استيقاظك من النوم هو التحقق من حساباتك، وتفعل ذلك لعدة مرات متتالية على فترات زمنية متقاربة للغاية، فمرة عند دخولك للحمام ومرة وأنت تتناول وجبة الإفطار، وهكذا تسيطر عليك حالة من الضغط العصبي بتشتيت عقلك وعدم تركيزك على مهمة واحدة تنجزها حتى نهايتها دون انقطاع.

3- تشعر بالندم عندما يفوتك حدث معين: في بعض الأحيان قد تتعارض ظروف عملك مع الذهاب لإحدى الفعاليات التي سجلت حضورك فيها على «فيسبوك»، وفي صباح اليوم التالي تشاهد الصور ومقاطع الفيديو التي صُورت هناك، فتشعر تلقائيًا بحالة نفسية سيئة لعدم تمكنك من توفيق وضع عملك مع الحدث، كما تظهر مشاعر الغيرة المرضية من الأشخاص الذين تمكنوا من الحضور.

4- تقوم بأشياء لست راضيًا عنها لمجرد مشاركتها على حسابك: يحدث هذا كثيرًا مع المهووسين بوسائل التواصل الاجتماعي، فيذهبون إلى مطاعم لا تتناسب أسعارها مع ميزانياتهم، ليس من أجل التجربة ذاتها، ولكن لمجرد نشر صورهم هناك على حسابهم في وسائل التواصل الاجتماعي؛ ما يجعلهم يشعرون أنهم حققوا إنجازًا عظيمًا.

5- لا تستطيع اللحاق بالآخرين: عندما تفتح حسابك على فيسبوك أو أي موقع آخر شبيه، يظهر لديك منشورات تؤكد التقدم الذي يحرزه الآخرون في حياتهم، فذلك الشخص الذي تعرفه تزوج، والآخر سافر إلى أماكن تحلم بالذهاب إليها، بينما أنت تتابع ما يحدث جالسًا في المنزل، فينعكس الأمر عليك وتشعر أن الجميع لديهم حياة مثيرة وممتعة أكثر من حياتك، وتقع في فخ المقارنات، بينما أنت لا تعلم كواليس حياة الآخرين والجوانب السلبية فيها، ومقدار الكفاح الذي بذلوه حتى تظهر أمامك صورة سطحية مُذهلة.

6- قول «لا» بالنسبة لك أمر صعب: عندما يعرض عليك أحد الأشخاص الانضمام إلى مناسبة ما أو الدخول في جروب معين، لا تستطيع رفض ذلك، بالرغم من عدم مناسبته لك في كثير من الأحيان، وتبدي موافقتك فورًا على أي شيء؛ لمجرد ألا يحدث من دونك.

7- تتابع مواقع التواصل الاجتماعي على حساب صحتك: يظهر ذلك عند الأشخاص الذين يعودون من العمل مرهقين، وبدلًا عن استرخائهم والبحث عما يريحهم من عناء اليوم، يظلون يتفاعلون في حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، دون أن ينتبهوا لآثار ذلك على صحتهم وحالتهم النفسية.

 

هل تبحث عن مخرج من هذه الدائرة المغلقة؟

بكل تأكيد تؤثر أعراض «الفومو» التي سبق إيضاحها بجعل الأشخاص الذين يعانون منها غير قادرين على الوصول إلى مرحلة الاتزان النفسي، والعيش في هدوء واستقرار، ويصاحب ذلك آثار صحية واجتماعية بالغة الضرر، لذلك نحاول من خلال تقديم هذه الإرشادات مساعدتهم على تجاوز معاناتهم:

1- افهم ما يُبنى عليه «الفومو» من خداع: تذكر عدد المرات التي ظننت فيها أن ذهابك لحدث ما، أو تفاعلك في حساباتك على مواقع التواصل الاجتماعي، سيعود عليك بالسعادة، ولم يحدث ذلك، بالتأكيد حدث ذلك كثيرًا، لذلك تخلَّ عن فكرة أن الحياة الرائعة مرتبطة بمدى تواصلك مع تلك المواقع، وابحث عن الأنشطة التي ستعود عليك فعلًا بسعادة حقيقية.

2- جرب أن تتوقف تمامًا: تعيش العديد من الخيالات غير المنطقية في أذهان المصابين بالفومو، وتجعلهم في حالة خوف من الابتعاد عن متابعة حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، ولو لفترات قصيرة، لذلك يكون الحل في إيقاف هذه الحسابات – بشكل قاطع – لفترة متوسطة، عدة أيام مثلًا، أو أسبوع، واكتشاف ما كانت تسلبه من الشخص من سعادة وتفاعل مجتمعي حقيقي.

3- ركز على اللحظة الراهنة: ما الذي سيعود عليك من إضاعة وقتك في القلق حول ما يفعله الجميع والتفكير في أنهم يعيشون أوقاتًا ممتعة أكثر منك؟ لا شيء، أليس كذلك؟ لذلك وجه جهدك إلى الاستمتاع بما تفعله مهما كان بسيطًا، مثل: قراءة كتاب أو الاستمتاع باستحمام طويل أو مشاهدة فيلم مفضل؛ فذلك سيساعدك على تعويض ما تفقده من سعادة في التحسر على ما لم تعشه.

4- راقب نفسك: حاول أن تتنبه عندما تبدأ في المقارنة بينك وبين الآخرين، فغالبًا ما يحدث ذلك بسبب شعور لا تتنبه له، فإذا عرفت من أين تأتي البدايات، يمكن أن تمنع ما ينتج عن المقارنة من التعاسة، وعدم الشعور بالرضا.

5- اختر أصدقاءك بعناية: تجنب قضاء الكثير من الوقت مع أصدقاء ليس لهم هم سوى الحديث عن ثرواتهم وقدراتهم، وأحط نفسك بأصدقاء يحبونك لذاتك بشكل صادق، ومعظم أحاديثهم يكون أثرها النفسي عليك إيجابيًا.

6- قبول مبدأ أن لكل شيء مقابلًا: مع كل اختيار تنفذه، هناك أيضًا خسارة، وذلك شيء بديهي، فإذا اخترت الذهاب للنوم مبكرًا، فقد تفوت فرصة خروجك مع أصدقائك، وإذا كنت تسهر لوقت طويل في متابعة وسائل التواصل الاجتماعي؛ فذلك لن يجعلك مُنتجًا في اليوم التالي، لذلك اتخذ القرارات التي تتفق مع أولوياتك، وتسمح لك بأداء مسؤولياتك بنجاح.

7- لا تستنفد طاقتك في المهام المتعددة: على الرغم من أن العديد من الأشخاص يفخرون بتعدد مهامهم، إلا أن ذلك يجعل تركيزهم يتشتت؛ مما يؤدي لنتائج غير مُرضية في النهاية، فمن الأفضل أن تركز على شيء واحد تعمله وتبذل فيه أقصى قدرتك لإخراجه بشكل مُتقن، وبالطبع يتنافى ذلك مع المتابعة التي لا تنقطع لوسائل التواصل الاجتماعي.

8- ابدأ يومك بالتأمل: عندما تستيقظ في الصباح، لا تُمسك بهاتفك الذكي، وإنما اقض بعض الوقت في التنفس بعمق والتفكير بما تشعر، كما يمكنك أيضًا ممارسة تمارين التأمل في أوقات أخرى من اليوم؛ فذلك سيشعرك بوضع نفسي أفضل.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص