نزيف الطموح: لماذا يضع الشباب التونسي حقائب الرحيل كخيار أول؟

نزيف الطموح: لماذا يضع الشباب التونسي حقائب الرحي

لم يحتج ماهر قاسم إلى كثير من الكلام لتفسير قراره بمغادرة تونس، واختصر موقفه بعبارة: تونس تعبت. فبعد سنوات من العمل في قطاع الإعلام ومحاولات متواصلة لتأمين حياة مستقرة لعائلته، بات يفكر في بدء حياة جديدة خارج البلاد، بعد أن استنزفت التزاماته المعيشية وقروضه كامل دخله، وصولاً إلى عجزه عن توفير علاج والدته.

قاسم ليس حالة استثنائية، بل هو نموذج لشريحة واسعة من الشباب التونسي الذين فقدوا الأمل في التغيير بعد 7 سنوات من التحولات السياسية، وسط تباين في الآراء بين من يرى ضرورة الرحيل ومن لا يزال يراهن على الإصلاح.


خيبة أمل ووعود مؤجلة

في العاصمة، يرى غيث (26 عاماً) أن الوعود السياسية التي رافقت انتخابات 2019 لم تنتج واقعاً ملموساً، بل زادت من تعقيد الأزمات المعيشية. ويشير إلى أن المواطن ينتظر اليوم رؤية واضحة للمستقبل وتحمل السلطة لمسؤولياتها، بدلاً من حالة الضبابية السائدة.

بعض
تباين في آراء التونسيين حول جدية مساعي الإصلاح السياسي والاقتصادي

في المقابل، لا يزال البعض متمسكاً بـالأمل؛ حيث يرى محمد أمين، سائق سيارة أجرة، أن الرئيس صادق في نواياه لكنه يواجه عراقيل تحول دون تنفيذ مشروعه، داعياً إلى منح التجربة مزيداً من الوقت.

أرقام البطالة: مؤشرات الإحباط

تظل البطالة التحدي الأكبر؛ حيث بلغت نسبتها 14.9% خلال الربع الثاني من 2026، مع وجود نحو 622 ألف عاطل عن العمل. وتتفاقم الأزمة لدى الشباب (15-24 عاماً) لتصل إلى 35.4%، بينما تسجل البطالة بين خريجات التعليم العالي 35.6%.

خريجو
مطالب مستمرة لخريجي الجامعات بفرص عمل حقيقية

وتكشف دراسات أفروبارومتر أن ثلثي الشباب التونسيين فكروا في الهجرة، حيث ارتفعت نسبة الراغبين فيها بكثرة من 38% عام 2018 إلى 51% في 2024، مدفوعين بالبحث عن فرص عمل أفضل.

نزيف الكفاءات: الهندسة والطب في المقدمة

لم يعد الأمر مقتصرًا على الباحثين عن وظائف أولى، بل امتد ليشمل الكفاءات المتخصصة:

  • قطاع الهندسة: غادر نحو 6500 مهندس البلاد خلال عام 2022 وحده.
  • القطاع الصحي: انتدب الخارج 1839 إطاراً صحياً عام 2023، و1022 في الأشهر التسعة الأولى من 2024، و1244 إطاراً خلال 2025.
تتصدر
تسارع في معدلات هجرة الكفاءات التونسية نحو الخارج

ما وراء الاقتصاد: البحث عن فضاء للحرية

يؤكد خبراء الهجرة، مثل رمضان بن عمر، أن الدوافع لم تعد مادية فحسب، بل تشمل البحث عن فضاءات أوسع للحريات والمشاركة السياسية. حمزة، مهندس برمجيات (26 عاماً)، يتقاضى أجراً جيداً ومع ذلك يخطط للمغادرة؛ لأن قراره يرتبط بجودة نمط الحياة والضبابية التي تحيط بالمستقبل العام في البلاد.

المتظاهرون
التحديات الاقتصادية والسياسية تدفع الشباب لإعادة تقييم مستقبلهم في البلاد

يبقى السؤال الجوهري الذي يطرحه التونسيون اليوم: هل تستطيع البلاد استعادة ثقة أبنائها، أم سيظل الرحيل هو الملاذ الأخير لمستقبل يفتقدونه في الداخل؟

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص