في 23 سبتمبر الماضي، عادت نذر الحرب لتخيم على إقليم تيغراي شمالي إثيوبيا، حيث اندلعت مواجهات مسلحة بددت آمال السلام التي أرساها اتفاق وُقع قبل نحو أربع سنوات بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تحرير شعب تيغراي.
بدأ الصراع الأخير في منطقة إربيتي بإقليم عفار، إثر انهيار اتفاق السلام لعام 2022 نتيجة خلافات حادة حول ملفات نزع السلاح والمطالبات الإقليمية. بالنسبة لي، لم تكن هذه الحرب مجرد خبر عاجل، بل استحضاراً لذكريات مؤلمة من تغطيات سابقة شهدت مقتل مئات الآلاف ونزوح الملايين.
في قلب العاصفة
انطلق فريقنا من العاصمة أديس أبابا متوجهاً براً نحو إقليم عفار ومنه إلى ميكيلي، عاصمة إقليم تيغراي. عند وصولنا إلى إربيتي، التي تبعد نحو 900 كيلومتر عن العاصمة، وجدنا مشهداً يفيض بالذعر؛ السكان يغادرون منازلهم محملين بما خف وزنه، قبل أن تباغتنا أصوات القصف التي أجبرتنا على الانسحاب فوراً حفاظاً على سلامة الفريق.
توالت الأيام وسط ظروف قاسية، حيث تجاوزت درجات الحرارة 50 درجة مئوية، بينما كانت أصوات المدفعية لا تهدأ في الجبال المحيطة. اقتربنا في إحدى المرات لمسافة لا تتجاوز 3 كيلومترات من خط المواجهة، حيث رصدنا واقع الجنود والمدنيين قبل أن نتلقى أوامر إخلاء عاجلة.
ميكيلي: مدينة تحت وطأة الصمت
وصلنا إلى ميكيلي غداة دخول القوات الفيدرالية إليها وانسحاب قوات جبهة تحرير شعب تيغراي. بدت المدينة منهكة، تحاول استيعاب الصدمة؛ حركة المرور خجولة، والمتاجر تعمل بحذر، والوجوه تعكس حالة من الترقب والخوف من المجهول.
تحديات المهنية في زمن الاستقطاب
لم تكن المخاطر الأمنية هي التحدي الوحيد، فقد واجهنا ضغوطاً أخلاقية كبيرة للحفاظ على الحياد في حرب شديدة الاستقطاب. كان لزاماً علينا الاستماع لكل الأطراف، وتوثيق القصص الإنسانية بعيداً عن الانحياز، خاصة في بلد يشهد توترات عرقية معقدة.
لقد أدركت خلال هذه التجربة أن دور المراسل يتجاوز نقل الأحداث؛ ففي غياب المعلومات الموثوقة، أصبح ظهورنا في البث الحي لا يمثل فقط نقلاً للخبر، بل كان وسيلة لطمأنة العائلات التي فقدت الاتصال بذويها، وأداة لمعرفة السكان بما يدور في مدينتهم.
بعد أسبوعين من التنقل بين خطوط النار، غادرنا ميكيلي حاملين شهادات موثقة ووجوهاً لم تفارق ذاكرتي؛ وجوه لأمهات وأطفال يحاولون التشبث بالحياة، رغم أنف الحرب التي لا تزال تترك ندوبها في كل مكان.


