بين جدران قصبة الوداية التاريخية بالرباط، وبمزيج من عبق التاريخ وهدوء الحديقة الأندلسية، يفتح المتحف الوطني للحلي أبوابه أمام زوار معرض الطرز بالمغرب: الأمس واليوم، الذي يستمر حتى 31 يناير/كانون الثاني المقبل، ليقدم رحلة أنثروبولوجية في أعماق فن التطريز المغربي.
حوار بين زمنين
لا يكتفي المعرض بعرض قطع من القرنين التاسع عشر والعشرين فحسب، بل ينسج حواراً بصرياً بين الموروث الحرفي واللمسات الإبداعية المعاصرة. ويشكل المعرض ثمرة تعاون بين المؤسسة الوطنية للمتاحف ومتحف أنغوليم الفرنسي، حيث يضم قطعاً من المجموعة الشخصية للباحث الفرنسي بروسبير ريكار (1874-1952)، الذي لعب دوراً محورياً في توثيق الفنون التقليدية المغربية خلال عشرينيات القرن الماضي.
وتوضح هاجر خودة، المحافظة المساعدة بالمتحف الوطني للحلي، أن المعرض يسلط الضوء على الإبداع المعاصر من خلال تصاميم الباحثة فاطمة لوفيك، التي أعادت إحياء قطع ناقصة من مجموعة ريكار بأساليب حديثة، مع الحفاظ على الغرز التقليدية التي كادت تندثر.
سفر في عواصم الطرز
يأخذ المعرض الزائر في مسار جغرافي يستعرض خصوصية كل منطقة مغربية في فن التطريز، من الرباط وسلا ومكناس إلى فاس وتطوان وشفشاون وأزمور، وصولاً إلى الطرز الأمازيغي والصحراوي. ويبرز التنوع في التقنيات، حيث يعتمد طرز الحساب الفاسي على دقة عد الخيوط، بينما يتميز الطرز الرباطي بانسيابية الخطوط والزخارف النباتية المستوحاة من الإرث الأندلسي.
خصوصية الشمال وأزمور
تنفرد كل مدرسة بتفاصيل دقيقة؛ ففي تطوان تبرز تقنيات التعجيرة والتنشيفة، بينما تعكس مدرسة شفشاون الهوية الأندلسية عبر الزخارف الهندسية كالنجمة الثمانية. أما مدرسة أزمور، فتتميز بجرأة زخارفها التي تتضمن كائنات حية وطيوراً، مستخدمةً غرزة الضفيرة لإبراز جمالياتها على خلفيات خام.
إن هذا المعرض ليس مجرد عرض للتحف، بل هو احتفاء بذاكرة اجتماعية تحفظها الإبرة والخيط، وتؤكد من خلالها الصانعات التقليديات المغربيات استمرارية هوية فنية تتجدد عبر الأجيال.


