في جلسة نقاشية حملت عنوان حوار مع يسري نصر الله: سينما الابتكار، فتح المخرج المصري الكبير خزائن تجربته السينمائية، كاشفاً عن فلسفته في تحويل النصوص الأدبية إلى لغة بصرية تتجاوز النقل الحرفي لتمنح الحكايات حياة جديدة على الشاشة.
من الأدب إلى الصورة: فلسفة باب الشمس
توقف نصر الله عند تجربته في فيلم باب الشمس، المقتبس عن رواية الأديب اللبناني إلياس خوري، مؤكداً أن الوفاء للعمل الأدبي لا يعني محاكاته، بل إعادة تشكيله برؤية سينمائية. وأوضح نصر الله أن خوري نفسه لم يكتفِ بتدوين حكايات اللاجئين التي سمعها في المخيمات، بل أعاد صياغتها ضمن بناء أدبي خاص، وهو النهج ذاته الذي يتبعه المخرج في أفلامه.
وعن بناء المشاهد، أشار نصر الله إلى حرصه على تجنب المباشرة والابتذال. ففي تصوير شخصية شمس، رفض اختزالها في لقطات نمطية، مفضلاً تحريك الكاميرا لتلتقط تفاصيل جسدية وحركية تعبر عن مشاعر الشخصية وتاريخها الإنساني، بما يتجاوز ما تقوله الكلمات.

الممثل كشريك في البناء الدرامي
يرى نصر الله أن الممثل ليس مجرد منفذ، بل هو شريك في تشكيل الشخصية. واستعرض تجربته مع فيلم جنينة الأسماك، حيث أشار إلى أن اختياره لهند صبري بدلاً من منى زكي جاء بعد إعادة نظر في طبيعة الشخصية، مؤكداً أن تفاصيل مثل المكياج والملابس تتكامل مع أداء الممثل لتوصيل دلالات الفيلم.
أما عن فيلم مرسيدس، فقد أشاد نصر الله بأداء الفنانة يسرا، معتبراً أن اللحظات التي يقدم فيها الممثل اقتراحات غير متوقعة هي التي تفتح آفاقاً جديدة للمشهد السينمائي، وهو ما أكدته يسرا بوصفها التجربة بأنها من أكثر أعمالها متعة، رغم تحديات الإنتاج وضغوط الوقت.
تحديات المهنة: بين الفن والسوق
في سياق متصل، تطرق نصر الله إلى الضغوط الإنتاجية والرقابية، مؤكداً أن المخرج يعمل دائماً ضمن قيود الميزانية والوقت، مما يجعله في صراع دائم لمحاولة تقديم الأفضل. وحذر من محاولات اختزال السينما في معايير أخلاقية جامدة، مشدداً على ضرورة أن تلامس الحكايات وجدان الجمهور العالمي.
وعن طبيعة سوق السينما العربية، لفت نصر الله إلى التحديات التي يفرضها موسم العرض المحدود، مؤكداً أن المخرج يظل في حالة موازنة صعبة بين رؤيته الفنية الشخصية وبين متطلبات السوق التجارية، مستشهداً باختلاف معايير إنتاج أفلامه مثل الماء والخضرة والوجه الحسن مقارنة بـ جنينة الأسماك.
جذور الرؤية السينمائية
اختتم نصر الله حديثه باستعادة ذكريات إقامته في بيروت التي استمرت 4 سنوات، والتي شكلت فهمه لعلاقة الإنسان بالمكان، وهي التيمة التي تتردد في أفلامه عبر شخصيات تواجه تحولات وجودية. كما استذكر أستاذه المخرج يوسف شاهين، واصفاً إياه بأنه كان النموذج الأمثل للجدية في التعامل مع الفن السابع، وهو الدرس الذي استلهمه طوال مسيرته الإخراجية.


