بينما يصفه أنصاره بـ الملك بيبي، يراه خصومه رمزاً للفشل الأمني والفساد السياسي. وبعيداً عن الجدل حول التسميات، يظل الثابت الوحيد أن بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الأطول بقاءً في السلطة في تاريخ إسرائيل، قد ترك بصمة عميقة في مؤسسات الدولة وسياساتها وتوجهاتها الاجتماعية خلال مسيرة مهنية امتدت لعقود، طبعها تحول إسرائيل نحو اليمين المتطرف.
برز نتنياهو في المشهد السياسي الإسرائيلي مطلع التسعينيات، مستغلاً حالة الغضب الشعبي ضد اتفاقيات السلام المحتملة مع الفلسطينيين وسوريا. وقد اتهمه قادة سياسيون حينها بقيادة حملات تحريض أدت إلى اغتيال رئيس الوزراء الأسبق إسحاق رابين عام 1995، حيث شارك نتنياهو في تظاهرات صُوّر فيها رابين بزي عسكري نازي، وسط هتافات تصفه بـ الخائن.
هندسة الدولة وفق الأيديولوجيا
في عام 1996، نجحت تكتيكات نتنياهو الشعبوية في إيصاله إلى رئاسة الوزراء، حيث اعتمد أسلوباً قيادياً عزز نفوذ أحزاب اليمين المتطرف والأحزاب الدينية، التي باتت اليوم جزءاً لا يتجزأ من تحالفاته. وتحت إدارته، توسعت صلاحيات المحاكم الدينية لتشمل النزاعات المدنية والتجارية، كما خصصت الدولة ميزانيات قياسية للمدارس والمؤسسات الأرثوذكسية المتطرفة.
وفي عام 2018، نجح نتنياهو في تمرير قانون القومية، الذي نص على أن إسرائيل هي الدولة القومية للشعب اليهودي حصراً، وجعل الاستيطان أولوية وطنية. وقد استندت منظمات حقوقية دولية إلى هذا القانون كدليل على ارتكاب إسرائيل لجريمة الفصل العنصري (الأبارتهايد).
إعادة هيكلة المؤسسات الأمنية والقضائية
عمل نتنياهو على إعادة صياغة المؤسسات الأمنية عبر تعيين موالين له في المناصب العليا، والتصادم مع القادة الأمنيين الذين عارضوا توجهاته. وفي أعقاب أحداث 7 أكتوبر 2023، حاول نتنياهو تحميل المؤسسة الأمنية مسؤولية الإخفاق، مما دفع رئيس الشين بيت السابق، رونين بار، لمقاضاته بتهمة التشهير.
أما على الصعيد القضائي، فقد قاد نتنياهو ما أسماه إصلاحاً قضائياً للحد مما وصفه بـ الدكتاتورية القضائية، بينما اعتبره خصومه انقلاباً يهدف إلى تقويض استقلال المحكمة العليا وحماية نفسه من قضايا الفساد التي يواجهها منذ عام 2019. وقد نجح فعلياً في تغيير تشكيلة لجنة اختيار القضاة لضمان نفوذ سياسي أكبر للائتلاف الحاكم.
وفي سياق موازٍ، اتخذ نتنياهو خطوات حاسمة ضد أي رقابة مستقلة، حيث أقال المدعي العام العسكري بعد تسريبه فيديو يوثق اعتداء جنود إسرائيليين على معتقل فلسطيني، ليتم لاحقاً إسقاط التهم عن هؤلاء الجنود.
المستقبل المجهول
اليوم، وبينما يواجه نتنياهو اتهامات من المحكمة الجنائية الدولية بارتكاب جرائم حرب في غزة، يصر على استكمال أجندته في إصلاح النظام القضائي. وبينما يراه أنصاره قائداً ينجز المهام، يرى خصومه أن إرثه الحقيقي يتمثل في الانقسام الاجتماعي الحاد، والفساد المستشري، والعزلة الدولية المتزايدة، مؤكدين أن محاولة تفكيك هذا الإرث القانوني والمؤسسي ستكون مهمة بالغة التعقيد.


