تشهد الخريطة السياحية في تونس تحولاً جوهرياً يتجاوز النمط التقليدي المتمثل في الفنادق الكبرى، نحو نموذج سياحة المعايشة. هذا التوجه الجديد يراهن على تحويل المنازل التاريخية والإقامات الريفية إلى وجهات تتيح للزوار الانغماس في الثقافة المحلية والعادات اليومية بدلاً من الاكتفاء بالإقامة العابرة.
في أزقة المدينة العتيقة بالعاصمة تونس، تحولت دور تاريخية كانت مهددة بالاندثار إلى فضاءات استقبال فريدة، حيث يؤكد محمد رحمومة، مدير دار بن قاسم للضيافة، أن السائح المعاصر يبحث عن تجربة تقربه من روح البلد وتفاصيل حياته اليومية، وهو ما يفسر الإقبال المتزايد على هذه الأنماط البديلة.
سياحة المعايشة: من عبق التاريخ إلى دفء الريف
لا تتوقف هذه التجربة عند حدود المدن العتيقة، بل امتدت لتشمل المناطق الريفية. ففي منطقة بئر بورقبة بمحافظة نابل، تقدم دار جبل لزوارها تجربة متكاملة تربطهم بالأرض والموروث الزراعي. وتوضح صاحبة الدار، آمال جعيط، أن البرامج تتغير بتغير الفصول؛ حيث يشارك السياح في جني الزيتون، إعداد الخبز التقليدي، وطهي أطباق محلية من منتجات الضيعة، مما يجعل الإقامة تجربة معيشية وليست مجرد حجز فندقي.
قطاع واعد وتحديات قانونية
تشير بيانات الديوان الوطني التونسي للسياحة إلى تنامي هذا القطاع، مع افتتاح مؤسسات إيواء بديلة جديدة سنوياً. ورغم ذلك، يواجه القطاع تحدي الأرقام غير المرئية؛ حيث تشير تقديرات الجامعة المهنية المشتركة للسياحة إلى وجود نحو 2500 دار ضيافة، بينما لا تعترف السلطات رسمياً إلا بنحو 150 منها فقط.
يؤكد وليد طريطر، رئيس الجامعة المهنية المشتركة للسياحة، أن الإشكال الرئيسي يكمن في الإطار القانوني البيروقراطي الذي يعيق الاعتراف بهذه المشاريع، وهو ما يحرم الدولة من قياس الحجم الحقيقي لمساهمة هذا القطاع في الاقتصاد المحلي.
مستقبل السياحة البديلة في تونس
تعمل وزارة السياحة حالياً على مراجعة النصوص التنظيمية لتبسيط إجراءات الترخيص ودمج هذه المؤسسات ضمن الاقتصاد المنظم، مع تخصيص منح استثمارية لدعم المشاريع السياحية التنموية، خاصة في المناطق الداخلية التي تمتلك مقومات طبيعية وتراثية هائلة في توزر، قبلي، تطاوين، ومطماطة.
وفي هذا السياق، يرى النائب في البرلمان ياسين مامي أن إصلاح القطاع السياحي يتطلب كسر هيمنة النمط الفندقي التقليدي، مؤكداً أن نجاح الموسم السياحي لا ينبغي أن يُقاس بعدد الليالي في الفنادق فقط، بل بقدرة القطاع على تنشيط الدورة الاقتصادية للمجتمعات المحلية عبر إشراك الحرفيين وأصحاب المطاعم الثقافية والمعالم التاريخية.


