لطالما أثارت حياة العالم الروسي ميخائيل لومونوسوف فضول المؤرخين، ليس فقط لإنجازاته العلمية، بل لأساطير نُسجت حول أصوله، أبرزها الادعاء بأنه الابن السري للقيصر بطرس الأكبر. فما حقيقة هذه الرواية التي تفتقر إلى السند التاريخي؟
جذور الأسطورة
تعود هذه الرواية إلى مذكرات نشرها البحّار فاسيلي بافلوفيتش كوريلسكي في خمسينيات القرن العشرين، حيث زعم أنه اطلع على وثيقة عثر عليها شقيقه في علية منزل عام 1932. تدعي المذكرات أن القيصر التقى فتاة يتيمة تدعى إيلينا سيفكوفا في قرية أوست-توسنو عام 1711، وأن لومونوسوف كان ثمرة هذه العلاقة، بل وادعى كوريلسكي أن القيصر نفسه اختار اسم ميخائيل للطفل.
إلا أن هذه الرواية ظلت حبيسة الادعاءات الشخصية، إذ لم يُعثر على أي وثيقة تاريخية تدعمها، كما أن المذكرة الأصلية التي استند إليها كوريلسكي -بحسب قوله- قد أُتلفت، مما يضعف مصداقية القصة برمتها.
التناقض الزمني
تُسقط الحقائق التاريخية المتعلقة بتحركات بطرس الأكبر هذه الأسطورة؛ فالسجلات الرسمية تؤكد أن القيصر قضى خريف 1710 وبداية 1711 في سانت بطرسبرغ وموسكو، ثم غادر في 17 مارس 1711 للمشاركة في حملة بروت ضد الدولة العثمانية. هذا الجدول الزمني لا يترك مجالاً لوجوده في قرية أوست-توسنو خلال الفترة التي زُعم فيها حدوث اللقاء، مما يجعل القصة محض خيال يتنافى مع الواقع.
غياب الرعاية الملكية
تطرح الرواية تساؤلاً منطقياً: إذا كان لومونوسوف ابناً للقيصر، فلماذا عانى في بداياته؟ لقد شق لومونوسوف طريقه العلمي بجهد شخصي شاق، ولم يلقَ أي دعم خاص من البلاط الإمبراطوري. وتوضح المصادر أن مسيرته العلمية كانت نتاج تفوقه الشخصي ودعم شخصيات دينية وأكاديمية بارزة، مثل الأرشمندريت جيرمان، الذي ساعده في الوصول إلى أكاديمية العلوم بفضل كفاءته الدراسية وليس بفضل نسبه المزعوم.
ختاماً، تظل قصة لومونوسوف كابن لبطرس الأكبر مجرد أسطورة حديثة النشأة، لا تصمد أمام المراجعة التاريخية الدقيقة لسجلات تحركات القيصر أو مسيرة حياة العالم الروسي الذي بنى مجده بعلمه لا بدمائه الملكية.


