كاهن الآلة.. كيف يحول وادي السيليكون الذكاء الاصطناعي إلى دين جديد؟

كاهن الآلة.. كيف يحول وادي السيليكون الذكاء الاصطن

في خريف عام 2022، وأثناء معتكف مغلق لقيادات شركة أوبن إيه آي (OpenAI)، أشعل إيليا سوتسكيفر، كبير علمائها آنذاك، النار في دمية خشبية ترمز إلى الذكاء الاصطناعي غير المتوافق، في طقس رمزي لاستحضار الخوف والسيطرة على الآلة. وبينما كانت النيران تلتهم الدمية، ردد الحضور هتافاً صار شعاراً للشركة: استشعروا قرب الذكاء الاصطناعي العام.

هذه الواقعة ليست استثناءً، بل جزءاً من ظاهرة متنامية في وادي السيليكون؛ حيث تحولت لغة البرمجة إلى لغة لاهوتية. فقبل ذلك، أعلن مهندس في غوغل أن نموذج لامدا (LaMDA) يمتلك روحاً، بينما أسس مهندس آخر كنيسة رسمية باسم طريق المستقبل بهدف عبادة إله قائم على الذكاء الاصطناعي.

الوعد النيوليبرالي الذي انكسر

لماذا يلجأ مهندسون، هم الأكثر ارتباطاً بالمنطق الحسابي، إلى لغة الخلاص والقيامة؟ الإجابة تكمن في خيبة الأمل من الوعد النيوليبرالي الذي فشل في تحقيق الرخاء الموعود. وحين انكسر هذا الوعد، بحث الجميع عن وعاء جديد للنجاة، فجاء الذكاء الاصطناعي ليقدم وعوداً تقنية بحل المعضلات الوجودية، مما يعفي النظام القائم من المساءلة السياسية.

الإله الجديد، مهما بدا مرعبا أو محيرا لصانعيه أنفسهم، لا يحتاج تفويضا ديمقراطيا ولا مساءلة برلمانية ولا نقاشا عاما حول من يستحق أن يقرر مصير الجميع. يحتاج فقط، كما كل الآلهة القديمة، كهنة يفسرونه للعامة.

الذكاء الاصطناعي كبديل للديمقراطية

لم يظهر الذكاء الاصطناعي كأداة بيد الديمقراطية، بل كبديل ضمني عنها. فبدلاً من المداولة العامة، يُطلب من المجتمعات الثقة بنخبة صغيرة من المهندسين والمستثمرين. هنا، تتحول المساءلة من لماذا اتخذتم هذا القرار؟ إلى لغة الحتمية التقنية: كيف نستعد للآلة القادمة؟.

إحياء مفهوم التقدم وإعادة سحر العالم

في مطلع القرن الماضي، تنبأ ماكس فيبر بـنزع السحر عن العالم بفعل العقلانية. لكن المفارقة أن الذكاء الاصطناعي، وهو ذروة العقلانية التقنية، أعاد السحر من جديد. فمشكلة الصندوق الأسود -حيث لا يستطيع المهندسون تفسير سلوك الآلة التي برمجوها بأنفسهم- خلقت حالة من الرهبة، والرهبة هي المدخل الدائم لظهور الطقوس الدينية.

من يربح من هذا اللاهوت؟

إن السردية الخلاصية حول ذكاء فائق ليست مجرد قناعة شخصية، بل هي أصل استراتيجي للشركات. فهي تمنح الشركات مهلة زمنية وتمويلاً هائلاً، وتعلق حساب الربح والخسارة إلى أجل غير مسمى. فالاستثمار في مصير البشرية يعفي الشركة من السؤال التجاري المعتاد: متى سيغطي هذا الاستثمار تكلفته؟

في نهاية المطاف، يتحول القلق الصادق لدى المهندسين تجاه قوة لا يمكنهم التحكم بها إلى غطاء يبرر تركز رأس المال، ويحول القرارات المصيرية التي تمس المجتمعات إلى شأن داخلي تديره نخبة تتحدث باسم مستقبل لم يأتِ بعد.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص